بئر الحرمان

اضيف  اليوم مشاهد لـشخصية ناهد ( سعاد حسني ) من فيلم بئر الحرمان ، الذي عرض في نهاية عام 1969 ميلاديه وبالتحديد يوم 29 ديسمبر ، في آخر شهر من العام الذي يختم حقبة الستينات منتقلا الى حقبة السبعينات .

القصة لاحسان عبدالقدوس ، اعدها للسينما نجيب محفوظ ، كتب السيناريو والحوار الرسام والصحفي يوسف فرنسيس والذي نرى بعض رسوماته في لقطة المعرض الذي تزوره ناهد مع خطيبها ، وكذلك اللوحة التي تجدها في احد الادراج مختفية بين ثيابها ، العمل يعد دراما نفسيه فنرى البطلة في النهار تعيش حياتها العاديه وتعاني من فقدان ذاكرة مؤقت وغيبوبه متقطعه واضطراب عاطفة اتجاه الوالدين دون ان يعي احد ذلك حتى هي شخصيا ، بتسلسل الاحداث نعلم انها مصابة بازدواج الشخصيه ، وتعيش حياة اخرى خفية لا تعلم عنها شيئا فاحيانا في المساء ترتدي ثياب مومس و تتحول الى صائدة رجال اسمها مرفت ( على اسم والدتها التي تعاني من حرمان بسبب ابيها ) لتعيش للمتعه والجنس لاوقات قصيرة لا تتجاوز الساعات رافضة اي مقابل مادي يدفعه اي رجل يلتبس عليه الامر ، يمضي بها الليل دون ان تشعر بما تفعله .

احيانا تتداخل الايام عليها و تفاجئ ببعض الاثار على جسدها ولا تعلم من اين اتت ، شعور بالتعب والاجهاد يرافقها و يدفعها لعدم الاستيقاظ  بسهولة عند كل نهار ، ترتاد عيادة الطبيب النفسي ليبدأ في حل العقده واسبابها بايطار تشويقي غير متسارع بل متسلسل ومتأني وكلاسيكي  للمشاهده اضغط زر التشغيل ادناه .

العمل من انتاج رمسيس نجيب ( الشركة العربية للسينما ) ، شارك في تمثيله ايضا مريم فخر الدين ، محمود المليجي ، نور الشريف ، صلاح نظمي ، عبدالرحمن ابو زهره ، محي اسماعيل ، حمزه الشيمي ، واخرجه المبدع كمال الشيخ .

ناهد ما بين الكتاب والفيلم .

القصة كانت ضمن مجموعة قصصية تروي حكايات طبيب نفسي يسرد و يرصد  حالات معينه لمرضى  ترددوا عليه ، حمل الكتاب قصة ناهد عنوان له فكان اسم هذه المجموعة ( بئر الحرمان ) ، القصة  تقع في  (46 ) صفحة وتختلف عن الفيلم في امور وتلتقي معه في امور اخرى .

ففي الكتاب طلبت ان تذهب للطبيب النفسي من تلقاء نفسها وكلمته شخصيا وحين وجدت جدله مزدحم  اتصلت بزوجته رجتها ان يضع لها موعد ، اما الفيلم فهي تذهب له بعد ان نصحها الطبيب الذي تزوره ان تراجع طبيب نفسي وكتب لها العنوان والاسم مقترحا عليها ذلك ، اي ان لجوئها للطبيب في الفيلم كان بايعاز من طرف آخر وليس بسبب دافع شخصي ورغبة ملحة كالقصه .

في  الكتاب هي متزوجة ، ومضى على زواجها عامان وفي الفيلم مخطوبه وسوف تتزوج قريبا ، هي تخون زوجها مجبره وتعي ان ذلك يحدث ولا تستطيع المقاومة فهناك دوما اسباب تبرر تلك الخيانه وذكرتها للطبيب مرارا ، في الفيلم هي تخون خطيبها ولا تذكر شيئا البته اي تخونه دون ان تعي ذلك .

في الكتاب  اجرى الطبيب مع ناهد 312 جلسه ، بمعدل جلستين كل اسبوع ، اي اكثر من عام ولم يصل الى بداية علاجها الا صدفه و في الجلسة الاخيره ، في الفيلم بعد عدة زيارات تم حل العقده وكشفها بوضوح وسرعة .

توجد ايضا تفاصيل اخرى متعدده تجعل مقارنة الفيلم بالقصة امر مقبول في بعض الخطوط العريضه ، لكن يبقى جزء مهم في القصة لم يذكر في الفيلم ولم يشار له من قريب او بعيد سواء بشكل مباشر او بالاشارة ،  فناهد في الكتاب  لم تكن من صلب الرجل الذي تعتقد انه ابيها ، والذي عاش  شبه منفصلا عن والدتها طوال 27 عاما داخل بيت واحد بهدوء وصمت .

الكاتب نجيب محفوظ  في معالجته حافظ على روح القصة و الكثير من خطوطها العريضه ، فقد كان من الصعب نقل القصة كما كتبت للشاشة في تلك الفترة وربما الى اليوم .

كيفية اختيار نهاية الفيلم

ذكرت الصحفية ايريس نظمي انه تم دعوتها مع مجموعة اخرى من الصحفين والنقاد في العرض الخاص للفيلم حيث تم وضع نهايتين وعلى الحضور ان يحددوا اختيارتهم لوضع نهاية الفيلم ، كانت النهاية الاولى هي ذهاب ناهد لخطيبها في الفندق وتعترف له بكل ما حدث وما لم تعلمه موضحة له مرضها النفسي و ما ترتب عليها من سلوكيات مشينه ، يذهل ولا يتمكن من الرد عليها ، فتترك دبلة الخطوبه وتذهب مفكرة بالانتحار لكنه ينقذها في آخر لحظه لينتهى الفيلم نهاية سعيده ، اما النهاية الاخرى والتي رأت ايزيس انها اكثر منطقية فكانت ان تخرج الفتاة من الفندق بعد اعترافها لخطيبها لتجد والديها بعد ان عرفا الحقيقه من الطبيب .. ونرى الام وهي تخلع معطفها لتستر به جسد ابنتها ، و تنطلق سيارة الاب بالعائلة الصغيرة تاركة الخطيب يقف وحده ويرقبهم وهم يمضون بعيدا وكان هذا الاختيار هو الاكثر واقعيه .

في تلك الفترة ايضا

كان فيلم ( ناديه ) متواجدا في دور السينما ، فقد كان اول عرض له بتاريخ 8 /12 / 1969 ميلاديه ، وهو من انتاج رمسيس نجيب ايضا و من بطولة سعاد حسني التي قامت من خلاله بدور شقيقتين تؤام ( ناديه و منى ) لكل منهما شخصية مستقلة مما يجعل ادائها في الفيلم كانه دورين لا دور واحد ، العمل مأخوذ من روايه  للكاتب يوسف السباعي تحمل نفس الاسم  ، في قصة احسان قامت بدور فتاة لها شخصيتين متناقضتين ( ناهد و مرفت ) وقد ادت الاربع ادوار في الفيلمين باجتهاد واضح ، من السمات المشتركه للعملين ايضا انهما بالالوان الطبيعيه في وقت كانت به افلام الابيض والاسود هي المنتشرة في دور العرض ، لكن يبقي فرق آخر يبتعد عن الادوار والقصة وما شابه وهو ان ( بئر الحرمان ) تم طبعه في القاهرة و فيلم ( ناديه ) تم طبعه في الخارج .

هذا المناخ و في تلك الفترة قد لا يدل على حس تجاري مقرون بالجوده او المنافسه فحسب بل على رغبة في العمل والانجاز و اثراء قطاع الثقافة والفن باضافات جديده ومتنوعه واتجاهات مختلفة في فن الترفيه وصناعة السينما .

لم تكن المرشحة الاولى

في البدء رشح الكاتب احسان عبدالقدوس اسماء مختلفة  للدور ، فقد رشح ماجده ، ناديه لطفي ، سميره احمد . و لم يكن من ضمن الاسماء التي رشح الراحلة سعاد حسني ، المخرج كمال الشيخ هو من رشح سعاد قائلا :  ” انها لم تقدم من قبل مثل هذا الدور ..حقيقة انها لعبت اداور الفتاة اللعوب والشابه التي ترقص وتغني والبنت الشقية المتمرده المراهقة التي تبدو مغريه عن غير قصد ولكن هذا الدور غريب بالنسبة لها ، وهناك نقطة اخرى هامه وهي ان سعاد وجهها عند اللزوم من الممكن ان يميل الى البراءه الشديده ،  انها تستطيع ان تؤدي التضاد بين الشخصيتين بيسر وسهولة وتكسب تعاطف المشاهد لا سخطه  ” .

بعد سنوات قامت سعاد بدور آخر كتبه احسان في نفس المجموعة القصصية ” بئر الحرمان ” ، وكانت القصة بعنوان ” حالة الدكتور حسن ” والتي اصبحت فيما بعد عند العرض عام 1974 ” اين عقلي ” .

حول تقمص سعاد للشخصية

احد الممثلات علقت بعد ان تمت الاشاده باداء سعاد في هذا الفيلم ” ان سر اجادة سعاد لهذه الادوار انها بلا شخصية محدده لذا فهي من السهل ان تتقمص اي دور بسهوله “

وربما سبب هذا التعليق ما ذكرته  سعاد عن ذاتها يوما بكل وضوح وشفافيه حين قالت ” .. خارج الاستديو لا اعرف من هي سعاد ..ما هو موقفها من الناس .. من الاشياء … ولعل هذا سر اجادتي للادورا التي اقوم بها ، فالممثله ذات الشخصية القويه في الحياة لا بد ان تترك جزء من شخصيتها في الدور الذي تؤديه ..انها لا تستطيع ان تصبح بسهوله اي انسانة اخرى ..وانما هي دائما فلانه الممثله ..اما انا فاذوب في الشخصية التي امثلها لاني لم اكتشف حتى الان شخصيتي الحقيقيه ..انا في الواقع بلا شخصيه ! ” .

الاستعانه باساتذة الطب

لتكوين فكرة علميه صحيحه حول شخصية البطلة  ذهب المخرج لكل من الدكتور احمد عكاشه ( استاذ في كلية الطب عين شمس ) وذكر انه بين لهم بعض الحقائق التي كانوا يجهلونها ، كما ذهب  ايضا الى طبيبة اعطت الدور اعماق اخرى وهي الدكتوره زينت  الغتيت التي ذكرت ان رسم الشخصية  لا يخلو من اخطاء علميه كثيره حاولت ان تساعدهم قدر المستطاع في تفاديها .

عودة مريم فخر الدين

لا ادري ان كان اختيار مريم فخر الدين لهذا الدور مصادفه ام تم وفق معرفة بظروفها في تلك الفترة ، فهي في الفيلم ام تحرم من ابنتها لفترة ويتم اقصائها عنها ، وفي حياتها الواقعيه كان لها ابن صغير عمره 3 سنوات ونصف ، يعيش مع جدته في الاسكندريه بينما هي تعيش في القاهرة وتعمل بعيدا عنه ، كما انها كانت ايضا منفصلة عن والد ابنتها ايمان ذو الفقار ووالد الطفل ايضا .

كان هذا العمل هو الفيلم الخامس لمريم فخر الدين والذي تمثله بعد فترة انقطاع طويلة عاشتها في لندن مع زوجها الطبيب محمد الطويل ، وهي تعود  للعمل مرة اخرى بادوار جديده ومختلفة عن تاريخها الفني قبل ذلك ، فهاهي تقوم بدور والدة سعاد حسني وقد قالت ” الدور اقنعني جدا .. ولا اتصور ان تعيش ام بعيدا عن اولادها لان زوجها طلقها مثلا ..والدور ده لا يمكن لغيري ان يقوم به ، ففي بداية الفيلم تظهر شخصية ناهد طفلة صغيره  وانا اكون ام صغيره الى ان تكبر ابنتي واكبر معها ..ربما المظهر الخارجي مسئولية الماكيير والماكياج ..اما الاحاسيس الداخليه فتحتاج الى تجربة ومعرفة خاصة .. وقد خضت هذه التجربه وادركت تلك الاحاسيس وبالتالي هناك امور في الدور اعرفها وقد لا يعرفها غيري  “

على الهامش :

+ لمعرفة المزيد عن تفاصيل هذا الابتعاد وقراءة حوار صحفي مختلف نشر في مجلة الاهرام العربي على حلقتين اضغط هنا و هنا .

+ في طفولتي وحين سألت تم شرح الفيلم لي دون مشاهدته بطريقة مختلفة ، فقيل لي انها فتاة غنيه في النهار وتتحول الى متسولة في المساء تقف على الرصيف وتطلب من المارة بعض النقود كي تتعشى ، وحين كبرت وقرأت القصة وشاهدت الفيلم  اكتشفت ان القصة لم تكن صحيحه .

~ بواسطة يزيد على يوليو 18, 2009.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 71 other followers

%d bloggers like this: