هــــيف

تعرفت عليها لاول مره عبر اخي ، تعرفت عليها ولم اراها او اسمع صوتها ، فقط رأيت اعمالها من خلال موقعها الالكتروني الذي ارسله لي  ، صغر عمرها فاجئني  نسبيا ، كما استوقفني انه لم يعيق غزارة التجربة او عمق الاحساس  الذي ارتسم فوق المدى الابيض ممتزجا مع الالوان ليمنح  الجمادات مشاعر  ويظهر لنا  فنانه ذات شخصية خاصة بها  اهم ما يميز اعمالها  الهدوء في مزج الاشياء بتباين غير منفر والتأني في رصد التفاصيل دون تشتيت المتلقي  ، مظهرة عبر هذا الاداء  توجها غير صاخب ،  يبتعد عن اي توهج مزيف ، ساعية لعمل مختلف  يسعى الى البقاء واستمرارية الحضور ، لا الى صخب اعلامي او لفت نظر عبر طرح غير متقن .

وجدت ان لها شخصية  ذات خصوصيه فنية خاصة ، ربما تكون تأثرت بالفنون التي اطلعت عليها واحبت ، و هذا يحدث للجميع بشكل لا ارادي و دون ادنى تخطيط مسبق،  لهذا قد  يجد البعض ان البساطه في الطرح والغرق في التفاصيل لديها امر  يتشابه مع بعض الاعمال الشرق اسيويه عموما واليابانيه  بشكل خاص .

اتفق على وجود هذا التشابه ، كما اؤكد  ان وجوده لا يلغي حقيقة وجود زخم  تاريخي  يتجاوز عمر الفنانة الصغير وعمر فرشاتها ، زخم   يحيا معها ويلازمها ،  قد لا تشعر بوجوده كونه يسكنها كما تسكن الروح الجسد   .

هذا الزخم  هو  ذلك التاريخ الشرق اوسطي ، ذلك الماضي العتيق المخجل والمشرف في آن معا (!) ، والذي يحمل في ثناياه قصص كرم عن حاتم الطائي وقصص يندي لها الجبين وقصص اخرى لا يقبلها منطق ولا دين ، تاريخ  يحكي عن جاهلية كانت ولم تزل باقية في زمننا الحديث ، جاهلية تبناها العالم الاول قبل العالم الثالث لتظهر في نمط الحياة اليوميه التي نعيشها ، جاهلية تنظر للمرأه بنظرة مجتمع ذكوري وان تمدن ، جاهلية لم يكن اولها مولودة وئدت ولم يكن آخرها شبكات تجارة منظمة بضاعتها فتيات برسم التأجير للترفيه عن الذات الذكوريه في كل بقاع العالم ، من خلال كافة الوسائل القديمه و الحديثه بدء من الغرف الضيقة ذات الرائحة النتنه وحتى فضاء الانترنت الواسع  .

وهي مثل اي مواطن شرق اوسطي يحمل تلك الجاهلية كـ ” تركيبه جينيه ”  مضيفا اليها تاريخ ما بعد الجاهليه وبداية الحياة المدنيه وما اتى من بعد ذلك من ازمنة جميلة او اقل جمالا ، هي حملت هذا الارث الانساني القديم والموجود قبل ولادتها ، اختزنته و حملته في اعماقها مع ثقافة عراقية خاصة وموغلة في القدم ، ثقافة متنوعة بتعددها  التاريخي الذي انعكس و ظهر على بلاد الرافدين منذ القدم وحتى تداعيات الوضع الراهن اليوم .

صغيرة حملت كل هذا معها دون ان تحمله حقا ، فهي لم تجمعه في حقيبه سفر حين انتقلت من العراق الى السويد وهي طفلة تبلغ من العمر 11 عاما ، هذا التاريخ سافر معها  حاملا معه كافة الاشخاص الذين عرفت او الذين ستعرف لاحقا  ، كافة الاحداث التي وعتها سابقا او ستعيها لاحقا ، تسللوا كل هؤلاء معها دون جواز سفر  ودون ختم مرور ودون ان تعلم بوجودهم معها  ،هذا التاريخ تجاوز ذاكرتها وبصرها كونه يحيا تحت جلدها ، يسبح باوردتها ، يتحرك داخل عروقها ، يتدفق بشكل يومي كدمائها دون ان تدرك او تسعي لذلك .

قد تكون عاشت مثل اي شرق اوسطي مغترب داخل وطنه او خارجه ، يمضى جزء من عمره انسان منسي ،  يحترف  تذوق خيبات عالمه كل صباح على مائدة الافطار ، عبر الاخبار المذاعة في وسائل الاعلام او المعاشة يوميا ولم يصغها كلام ،  يتناول خبزه البائت بعد ان يتم دهنه رغم عنه  بزبد الهموم و عسل المشاكل الدبق الذي قد تسبب لزوجته امرض السكر وامراض مزمنه اخرى .

هذه الوجبة الثقيلة على النفس ان لم ياكلها مجبر و بشكل مباشر ، سيتناولها اخرين يعيش معهم او يسمع عنهم ، وسوف يأخذ من صحن الحزن نصيبه وان لم يفعل سيستنشق رائحته حين يغلي  بصمت وتملئ ابخرته المكان ، سيصله ولو عبر حديث لم يوجه له شخصيا لكن يؤثر به بشكل او بآخر، والفنان حين يظهر هنا ( سواء شاعر ، رسام ، راوي ..الخ ) يكون اشبه بقطعة الاسفنج التي تمتص ما سكب حولها  بصمت ، ليتدفق لاحقا ويخرج ما اختزنه ايضا بصمت ومن خلال علاقة تبادليه تخضع لمنطق المؤثر والمتأثر .

ولدت عام 1981 ميلاديه في بغداد ، قطعت تذكرة رحيل مع الغربة في بداية التسعينات الميلاديه ، بدأت الرسم بالالوان الزيتيه وهي في عمر 12 عاما ، احبت فرشاة الرسم التي لم تكن فرشاة فحسب بل عصا سحرية تلون حياتها و تأخذها لعوالم اخرى حملتنا  لها عبر اللوحات التي ابدعت .

 

احببت  اللوحة اعلاه ، وقد عرضت ضمن المجموعة التي  قدمت  تحت مسمى  (Marionettes ) وهي الدمى التي يتم التحكم بها عبر ايادي خفية او مرئيه ، تحركها بعد ان تقيدها بخيوط رفيعه  جاعلة من هذه الدمى المختلفة الادوار والاشكال  شئ  متشابه بشكل او بآخر .

هذه الخيوط التي تربطهن او تقيدهن رأيتها  ” رمز ”  لاشياء متعدده لا اجزم بصحة احدها ، قد تكون قوى خارجيه  سواء اسرة ، عائلة ، زوج ، اخ ، اومجتمع ذكوري  كامل ، وربما قوى داخليه تعيش بداخلهن وتدفعهن للامساك بهذه القيود ووضعها بطواعيه واستسلام مسالم مثل ايمان بمبدأ ما  او احساس بالمسئولية عالي او التزامات معينه اخرى يدركنها ولا ادركها  ، وربما  كان الدافع الحقيقي  للتمسك بهذه الاوتار  الخوف من المجهول او اتهيب من  الحرية !

الاحتمالات كثيره ولكن لا شئ اكيد سوى ان هذه الارواح مهما روحت عن نفسها بالغناء او العزف فهي تعيش حزنها وربما  تغنت به ،  لذا احببت هذه اللوحة كثيرا وتخيلت المكان الذي ساضعها به ايضا ، فهي كبيرة الحجم بارتفاع متر و 33 سم و عرض مترين و 19 سم ، حين اتصلت لمعرفة اي تفاصيل عن هذه اللوحة رغبة باقتنائها اكتشفت ان اغلب رسومات هذه المجموعة كاملة  قد نفذت وتم بيعها !

رغبتين و انطباع شخصي :

منذ المرة الاولى التي زرت بها موقعها وقبل معرفة اي تفاصيل عنها ذلك الحين بدأت افكر وربما تمنيت ضمنيا ان الله اسعدني و اخرجت كتاب ( لو كنت فتاة ) – الغير مكتمل بعد – كعمل مطبوع  ان اجعل التصميم بدء من الغلاف اوالرسومات الداخلية – ان وجد –  من اعمالها وتمنيت ان تكون اعمال جديده ومعده سلفا لهذا الكتاب ، فهناك شئ بهذه الرسومات لامس الكثير داخل نفسي ، فالسيدات اللواتي ظهرن لي عبر فرشاتها مهما غرقن في الامور اليوميه وحتى السعيد منها مثل العزف او تمشيط الشعر او كوي الثياب اشعر ان هناك شعور ما يطفو فوق ملامحهن  ويظهر بشكل دائم ، شعور عميق تمكن منهن حتى غدا مع الوقت جزء لا يتجزأ من هذه الملامح وهنا يكمن احد اسرار الابداع لدى هيف في وجهة نظري كون ان الفرشاة لدى اغلب الرسامين دوما ترسم الوجه والجسد والتفاصيل الخارجيه  لكن نادر هو الرسام الذي يرسم لنا ما يدور وراء هذه البشرة و خلف هذا الوجه و تحت تلك الثياب ، تسجيل كل تلك التفاصيل وبكل يسر وسهوله امر يحسب لها بلا شك  ، فهي تنقل مشاعر عدة في صورة لا تتحرك ، لكن قد تحرك الكثير لدي المتلقي و تجعل مدى التأملات لديه لا متناهي وغير محدود والادهى انه غير مؤكد (!) فكل ما يفكر به عن هذه الشخصيات المرسومه ظنون وافكار واحتمالات حول طبيعة حياتهم او مشاكهلم ، لكن الحقيقة و ان ظهرت تظل غائبة ، وان لمحت بعض حضورها في ما ترى فهناك الكثير منها تراه في اعماقك ولم يظهر في اللوحة حقا وبهذا هي تجعل المتلقي جزء لا يتجزأ من اكتمال العمل الفني وشريك به .

لم تزل لدي الرغبة باقتناء عمل لها احبه ويلمسني ، وهي رغبة توازي رغبتي في اظهار كتاب للنور في يوم ما !

 

على الهامش :

+ الصورة الاولى في الموضوع  تم تصميمها عبر  رسومات للفنانه مع بعض صور شخصية لها .

+ باقي اللوحات اعلاه  من مجموعة (Marionettes )  المعروضه عام 2009

+ لزيارة الموقع الرسمي لهيف اضغط هنا .

+ لزيارة موقع الخط الثالث والذي تعرض به اعمالها في الدوحة و دبي اضغط هنا .

~ بواسطة يزيد في مايو 22, 2009.

2 تعليقان to “هــــيف”

  1. ذكرتني أعمال هيف بالمنمنمات الشرقية الدقيقة جداً , كنت أظن هذا الفن فقد الكثير من سماته و قيمته الفنية في التجارب الأخيرة , إلا أني أرى صحوة الفن و عودته في لوحة من لوحاتها الفريدة ! , شكراً لاشارتك إليها وأظن بأن أعمالها تتسم بالمرونة ستكون لوحة و تكون غلاف كتاب مميز , وقد تكون فاصل جميل بين فصول الكتاب يدعوك للتأمل أكثر و أكثر , شكراً مرة أخرى .

  2. العفو 🙂
    مرورك يضيف تفاصيل تعطي للموضوع اضافه محببة الى النفس .
    بالنسبة لرسوم هيف فهي باتت تشكل لي شئ وجدانيا كوني تعرفت على هذه الرسمات وفق ظروف معينه واحببت الاحساس الذي تعكسه ببساطه وعمق .
    وبها المح وجه امي .. دون ان تكون موجودة حقا داخل اللوحة !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

 
%d مدونون معجبون بهذه: