بـالـون

نعبئه بغاز الهاليوم فيطير ، نعبئه بانفاسنا و جزء من ارواحنا فيبقى ارضا ، لكنه دوما يمضي .. ويختفي .. ولا يبقى !
ليصبح مع الوقت رديف كلمة امتلاك بالون .. فقدانه … لنتعود الفقدان منذ طفولة مبكره .. ومع ذلك لا نألفه .. ولا نعتاده .. مهما تكرر حدوثه … ومهما مضت السنين بنا .. وكثرت بها خساراتنا .
في شهر سبتمبر فقدت انسان عزيز .. وابتعت في الليلة ذاتها زهرة واحده .. ولاني لست ملما بانواع الزهور سألت البائعة عن اسمها .. وحين ايقنت اني قد لا احفظه في الحال طلبت منها ان تسجل الاسم على بطاقة صغيرة وضعت بالقرب منها مع بطاقات اخرى عديده ليكتب فوقها تهنئة او ما شابه وترفق مع باقات الزهور التي تقطف وتجمع كل يوم لتكفن بورق شفاف وتمضي الى حتفها في بيوت ربما تكون مظلمه … لا تدخلها شمس … او منازل مضيئة واهلها منشغلون .. .. تظل في كل الحالات اسيرة … قابعة داخل مزهرية ضيقة … ترقب المتبقي من الاحداث …  تستشف ما يحيطها ويلم بها … بعيدا عن زهور ربت معها وكبرت و ربما كانت تحتاجهم في هذه المرحلة او الفترة من حياتها .
هناك فوق مائدة ممتده .. يمضي بها اليوم وهي ترى انعاكس صورتها فوق الخشب اللامع .. ترى التجاعيد وهي تزحف دون ان تدرك حقا من اين تاتي .. تلحظ جفاف اوراقها رغم ابتلال ساقها بالماء … وتتعرف على الموت  … فترحل في الوقت المحدد .. سواء احاطها الضجيج .. او الصمت .. وفي ساعة معينة … ينتهى عبيرها .. ويبهت لونها .. لتصبح شئ كان .. وماض عاش هنا في يوم ما  .
هذه المره حاولت ان ارفق بها و اتهادن مع الحياة …  سعيت لان ابقيها باي شكل استطيعه …  لتصبح شئ دائم .. ومستمر .. ففكرت باستخدام بعض اجزائها في عمل ما … عمل يدوي ..  به اشغل وقتي و اجمع شتات تفكيري .. فكان هذا البالون الملون ببتلات الورد المجفف .
كان لتلك الاوراق تأثير ما ومن قبل ان ابتاعها .. احببت صعوبة تحديد لونها  .. فهو يتدرج ويتغير اثناء اليوم بشكل مؤثر .. مابين الازرق الداكن والفاتح .. مابين الكحلي و السماوي .. و الزرقة المخضرة .. وعند يباسها .. يتلون منتصف بعض اورقها بلون ما بين  الذهبي المطفي والنحاس المعتق .. كانت اكثر من زهرة جمعها ساق واحد .. تشبه باقة من  الفراشات الصغيرة  المتزاحمه وربما الحالمة بالتحليق والانطلاق .. لكنها مربوطة وفق قدرها وطبيعتها بتلك الساق الطويلة .. فلا مفر من قدر قادم و لا هروب محتمل .

لا ادري لم اخترت موضوع البالون .. !!
ربما لبساطته واقترابه الى نفسي .. ولكونه من الممكن ان يحمل معاني عده ومختلفة .. انه شئ يمسكه الطفل الصغير ويتحرك به سعيدا .. ياكل ويشرب ويشاهد الرسوم المتحركه وهو يتبعه كظل ممتد فوقه .. وقد ينساه الصغير وينسى وجوده اثناء لعبه وانشغاله بالحياة ومباهجها رغم انه مربوط بخيط صغير في اصبعه او كف يده .. ومع هذا  يدافع عنه ان امتدت يد لتاخذه منه .. وان شاهده يحلق بعيدا نحو السماء ويبتعد ارضا بكي فقدانه ..  وشعر بقيمة وجوده اكثر … واشتاق اليه وهو يراه مودعا بصمت وسكون .
ايضا هو قطعة مطاطية مهملة باتت شئ ذو قيمه بالنسبة لي حين امتلئت بانفاس امي وابي  في طفولة ماضيه .. فكنت اركلها وارميها عاليا .. وهي تحمل داخلها بعض روحهم .. كانوا يسعدون لسعادتي .. ويردون البالون لي  مبتسمين ان اقترب منهم اثناء قرائتهم او اثناء تناولهم الشاي الذي يمنحوني شربة صغيره منه ومن خلال اكوابهم.
ربما لاني شعرت انه يشبه العمر والحياة ذاتها … نجتهد في نفخه وتعبئته .. ليكبر وياخذ شكلا خاص به .. وفي وقت محدد وبثقبة دبوس واحده .. ينتهي وكانه لم يكن .. ولا يعود ايضا قابلا للنفخ او اي محاولة اخرى .
انتهيت من العمل و بقي من الزهرة اوراق كثيره .. قد اصنع منها عمل اخر .. وقد لا افعل …  لكني ممتن لهذا العمل كونه اشغلني ومنحني بعض الهدوء .. وربما ولاجل هذا  .. اراه افضل مما توقعت واجمل !


على الهامش :
+  اسم الزهرة بالعربي ” كوب الماء ” وهنا اسمها بالاجنبيه وبعض التفاصيل عنها في صفحات مختلفه ١ ، ٢.
+ التاريخ الذي  ابتعت الزهرة  بتاريخ ٢٤ سبتمبر ٢٠١١ في بوسطن ، اي بتاريخ – لاختلاف التوقيت –  ٢٥ سبتمبر ٢٠١١ السعوديه وكان في وقت ما بعد منتصف الليل هناك  .
+ التاريخ الذي شرعت به بتنفيذ العمل ٢٩ سبتمبر وانتهى في ١ اكتوبر من العام ذاته .

~ بواسطة يزيد في أكتوبر 3, 2011.

6 تعليقات to “بـالـون”

  1. شعور اتعايش معه من 15-12-2010 لذات السبب ,, استيقظ و أسأل و أجاوب و اعيش فى ذكريات ما قبل يوم الرحيل و تجاوبنى دائماً بأن هذه سنة الحياه .. ولا أقتنع , و اعيد ذات الحال .

    شكرا يزيد .. ولا اعرف هل اطلبك الصبر ام اطلبك النسيان لعمر و ذكرى و ألف يوم بألف شاهد سوف تعيشها مره أخرى.

  2. يزيد..
    خنقتني العبرة عند تخيلي لمشهد الزهرة الذي وصفت ووضعها ,, أشكرك لك هذه الفلسفة الجميلة والغنية بالمشاعر التي ربما لا يدركها الكثير..شكراً يزيد

  3. قرأت قصة البالون يوم أمس .. لم أجد أمامها ما أكتبه كتعليق .. لعمقها الحزين .. لجمالها المؤثر و لغزها السهل وربما الصعب .. ماذا سأكتب بعد هذه السطور :
    ” ايضا هو قطعة مطاطية مهملة باتت شئ ذو قيمه بالنسبة لي حين امتلئت بانفاس امي وابي  في طفولة ماضيه ……”
    ، مختلف دوماً في نظرتك للأشياء حولك وفي طريقة التعبير عن شعورك .

  4. احبائي واخوتي الذين اعرفهم ولا اعرفهم في الوقت ذاته !
    جزيل الشكر لكم … وعميق الامتنان .. شكرا .

  5. أخدتني الحياة .. بكل ما باتت تعجّ بهِ من قبح ٍ وصخبٍ ونشاز

    وإذا بي أنزل الليلة على هذه الواحةِ الغناءِ .. بكل ما تحوي من أنسامٍ بعبق ِ الماضي وشجن ٍ يزكي النفوس

    فضلاً عن أسلوبكَ الأدبي المذهل .. والتنوع الممتع لموضوعات موقعك .. وكذلك الاحترام والموضوعية التي تعرض بها موضوعاتك

    اسمح لي أن أشكرك من كل قلبي على ما بذلت من مجهود ها هنا .. وعلى هذه المتعة الشجيّة التي منحتنا إياها … واسمح لي كذلك أن أبقى على هذه الصفحات طويلاً لأستمتع بها أكثر وأكثر

    شكراً جزيلاً لك

  6. كل الصفحات لك والمدى والاثير 🙂 اهلا بك .. دائما وابدا .. وجزيل الشكر لسطورك .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: