هي أيام تمضي ..

7jun2013a

كان الجو ربيعيا ممطرا في تلك الجمعة .. و المكان يضج بأكثر من خمسين ألف متفرج ضمهم ملعب الملز  بالرياض .. و كأنه صدر كبير يحتويهم .. يجلسون في مقاعده رغم عمرهم المتقدم  كأطفال .. يرقبون الكرة .. و يترقبون النصر و يخشون الهزيمة .
هناك .. على الأرض المبللة .. كان يركض .. يتطاير العرق منه .. لا يريد أن يخذل الجماهير و الثقة المناطة به .. يملؤه حماس و قلق و رغبة في جعل حلم الفوز حقيقة .
حوله الأعلام الزرقاء كانت ترفرف مشجعة فريقه .. فريق الهلال .. و الذي استضاف في الدورة الرابعة لبطولة أبطال الدوري في دول مجلس التعاون لدول الخليجي العربي .. خمس فرق كروية من دول مجلس التعاون .. العربي القطري .. ظفار العماني .. النصر الإماراتي .. العربي الكويتي .. البحرين البحريني .. لمدة ١٤ يوما … تبدأ من ١٣ إبريل و تستمر حتى الخامس و العشرين من الشهر ذاته .. و قد كان يوما  .. ممطرا في ذلك الربيع .. و صادف أن يكون يوم جُمعة .
أما العام فكان  ١٩٨٦ ميلادية .. و في ذلك التوقيت حقق فريقه البطولة .. بعد أن لعب خمس مباريات ..  فاز بأربع و خسر واحدة .. و هي التي لعبها مع فريق العربي القطري .
كان بعيدا عن الملاعب إنسانا بسيطا .. صريحا .. كلماته مختصرة لكنها تعبر عنه بصدق .. ليست مزخرفة أو منمقة أو مليئة بما هو فائض و غير صحيح .. في الصمت وجد ظلا له و راحة لذا كان قليل الكلام في الإعلام بشكل عام .. و لا يحاول التوضيح أو التفسير أو التبرير .. كان بالمجمل شحيح الحديث … يحب سماع الشعر أكثر من قراءته .. شاعره المفضل دايم السيف .. كما يطرب لصوت أم كلثوم و محمد عبده .. و لأغنية لا تردين الرسايل مكانة خاصة في نفسه .. لونه المفضل الأزرق البحري بكافة درجاته .

7JUN2013A2

في ذلك المساء سلّمه الأمير فيصل بن فهد كأس البطولة .. و شقّ هتاف الجماهير صدره و اخترق أعماقه .. هو فتى البارحة الذي انضم لفريق الهلال عام ١٩٧٦ ميلادية .. و زين شباب تلك الليلة و أكثرهم سعادة .. فقد حقق النصر لفريقه و لم يخذل الجماهير و لم يفقد الثقة التي أعطيت له .. هو من تم تعينه قائدا للمنتخب السعودي ثم من بعدها قائدا لفريق الهلال .. هو الذي حصل في ذلك اليوم على لقب أفضل لاعب في البطولة بإجماع مدربيّ و إعلاميّ البطولة .. هو من كان الفرح يتدفق في صدره إلا أنه ظل كما عرفته جماهيره .. متزنا و لا يعبر عن شئ  سوى بابتسامة تحاول أن تجمح ذلك الانفعال و تخفيه .. فهو منذ بدايته لا يحب أن يبدو بمظهرا لا يليق به أو يفقده توازنه .. و في تلك الليلة .. التي أنجز بها المهمة و كل ما طُلب منه .. و على أكمل وجه و بقدر ما يستطيع .. أغمض عينيه لينام سعيدا ً .. منتشيا باللحظة .. في تلك الليلة أغلق صالح النعيمة جفنيه مثل كل الناس .. دون أن يرى المستقبل .. أو يعلم ما تخفيه الأيام !
حمل له ذلك العام نصيبا من السعادة .. و في نهايات العام الذي يليه .. و بالتحديد في شهر ديسمبر ..  تألم بصمت و بكى طويلا .. لا لكون فريقه قد خسر في مباراته مع الكويت بعد خروجه هو و صالح خليفة من الملعب إثر إصابات .. بل لرحيل أبيه و خروجه كليا من ملعب الحياة .. لقد كان صالح لاعب دفاع .. لكنه لم يملك أدنى قدرة في دفع البلاء و رد القضاء و محاورة القدر .

7JUN2013B
لكنه شعر بشئ ما .. و قد قال في لقاء معه حين تم اختياره لاعب القرن الخليجي في الاستفتاء الذي أجرته صحيفة الأنباء الكويتية عام ٢٠٠٢ ميلادية   ” .. أصعب مباراة لعبتها ..  كانت في الكويت عام ١٩٨٧ في تصفيات سيئول .. خسرنا بهدف سجله ناصر الغانم و شكّل ذكرى مؤلمة لي .. إذ توفى والدي في صباح يوم المباراة .. الجمعة .. و لم يخبروني .. لعبت المباراة و كنت أشعر بقبضة في قلبي لا أعلم مصدرها ! ” .
مواسم الزهر كانت تسقط بتلاتها سريعا بحلول مواسم حصاد الشوك .. و كل بهجة يقطفها .. تتبعها ألف شوكة .. فالإصابة التي حدثت له عام ١٩٨٤ لم تمضِ دون أن تخلف ألما بعد كل مباراة يلعبها .. كانت عبارة عن تمزق شديد أسفل عضلات البطن .. و لم يترك طبيبا إلا و طرق بابه .. حتى في رحلاته كان يبحث عن تشخيص محدد .. أو دواء مسكن يستعيض به عن تحامله الكثير على نفسه و محاولته لتجاهل الألم .. إلى أن أخبروه في المستشفى العسكري بالرياض أن هناك خيارين لا ثالث لهما .. إعلان الاعتزال .. أو إجراء عملية جراحية تبعده عن الملاعب سنة .
في لحظة كهذه ..  و وفق طبيعته .. جعل لعقله القرار .. فقد حدّثه بأن عمره الآن ٣٢ عاما .. و العودة في هذا السن قد تحتاج إلى وقت طويل .. و أن الذي حققه خلال ستة عشر عاما .. كان شيئا قريبا من طموحه و فاق خياله .. كابتن لأجيال متعاقبة .. قائدا للاعبين .. و لفريق المنتخب لأكثر من عشر سنين .. كل هذا دفعه للرضا بما كتبه الله  و اختيار الاعتزال كان الأقرب لنفسه .
ربما لو كان الأمر بيده لأكمل مشواره مع فريقه الذي أحب .. ربما دُفع لهذا الاعتزال و أرغم عليه .. و من المؤكد أن هناك تفاصيلا أخرى جعلته يرجّح كفة الابتعاد عن محاولة البقاء و الاستمرار !
لكن المؤكد أنه لم يكن في رحلته القصيرة الطويلة على وفاق مع بعض الأقلام الصحفية التي ناصبته العداء .. و مع هذا كان يجد في عطائه مخرجا .. وفي مساندة جماهيره ما يهوّن عليه .. في أعماقه يعلم أنّ الوسط الرياضي مثل أي وسط .. و سيظل وسطا به المنافسة متواجدة رغم تكرار الحديث عن الروح الرياضية و المشاركة .. يرى أن لكل شخص ناجح ضريبة تدفع ..  أبسطها وجود من يٌستفزّ منه و يشتعل حقدا عليه .. لاحظ أنه حين كان يصرّح تصريحا صغيرا للصحف .. يجد في اليوم التالي مساحات واسعة و أكبر من المساحة التي احتلها حديثه .. أفردت للتعقيب الذي لا يخلو من بعض الاعتداء اللفظي  و الشتائم  .. و مع هذا كان يحاول أن يتجاوز الأمور و لا يكترث .. أو على الأقل يبدي ذلك … ملتزما بما أوصاه أبوه ذات يوم حيث قال له  ” .. إذا تكلّم أحد عنك بسوء قابله بالإحسان فسوف يخجل من نفسه ” .. و قد فعل هذا .. لكنهم لم يخجلوا !
في  نهاية عام ١٩٩٠ و قبل اعتزاله بعدة شهور  .. صرّح في مجلة اليمامة السعودية معبرا عن شعوره هذا و عدم ارتياحه  حيث صرّح للسائل قائلا   ” لن أقبل رئاسة الهلال فالحساد يتربصون بي ! ” .
مضت الأيام به و بنا .. و من المؤكد أنى لم أتابع له مباراة واحدة بشكل كامل .. و لكن و مع هذا كنت أحبه في الله .. و أشعر حين أرى و جهه على صفحات الجرائد أو داخل إحدى المجلات بانتماء مبهم .. و ارتياح غير مبرر !

7JUN2013C
اليوم و أثناء تصفحى لأكثر من مجلة قديمة لديّ .. كانت عناوين الأخبار تحدثني عنه .. و بعض الصفحات تكتب عنه و عن فريقه و ذلك الزمن بكل ما فيه … من خلافات صغيرة .. و أحداث كنا نظنها مصابا جللا .. ربما لكوننا في تلك الفترة كنا أكثر اقترابا و حميمية من بعضنا لا كدول عربية بشكل عام أو خليجية بشكل خاص .. بل لكوننا بشرا نتفاعل بصدق و نتشارك الهم بحب و دعاء مخلص و قلب يحاول أن يتطهر من أحقاده قدر المستطاع .. أم أن الأشياء في عيون الطفل كانت تبدو كذلك !؟
في ذلك الربيع الممطر .. في تلك الجمعة … و في تلك المباراة .. و عبر مشهد عابر … أحيا صالح و بشكل فطري سنة كان يعرفها .. سجد بتلقائية ..  ليكون أول لاعب يسجد على أرض الملعب .. فقد تكررت محاولات الفريق لإحراز هدف و لم تنجح .. و حين نجحت كان هذا السلوك الأقرب لنفسه و لروحه و فعله بعفوية .. انحنى تحت المطر .. و لم يعلم بأنه أوصل بحركة عابرة و بلا تخطيط رسالة تذكّر المسلمين بأفضل طريقة تعبر عن مدى فرحهم و شكرهم لله .

أضيف بعض اللقطات من تلك المباراة مع جزيل الشكر للهلالي محمد حيث أن الفيديو الأصلي من صفحته في اليوتيوب – لمشاهدتها كاملة اضغط هنا –  كما أضيف لقاء خفيف معه أعدّه الصحفي عبدالرحمن المنصور و نُشر في صفحة ( خمسين x خمسين ) من مجلة اليمامة الصادرة في شهر ديسمبر عام ١٩٩٠ ميلادية .

~ بواسطة يزيد في يونيو 7, 2013.

4 تعليقات to “هي أيام تمضي ..”

  1. صالح … يا نجم النجوم ! صالح يا نجم النجوم !

    تعرفها يا يزيد؟

  2. للاسف مالي في الكورة 🙂
    لكن منكم نستفيد

  3. حبيبنا يزيد
    علي يزيد اغنية حفل اعتزال صالح النعيمة اللي غناها راشد الماجد 🙂
    اشكرك على الموضوع اللي رجع ايام قديمه ورائعه شكرا لك يزيد

  4. العفو 🙂 و حفل الاعتزال موجود فيديو بمكتبة البيت .. يبغى لي انسخه و ارفعه اذا مش موجود ع النت .. بفتش و اشوف .. و جد تعليقك و تمريرك للموضوع بتوتر .. تفاصيل صغيرة لكن تضيف لك كثير عندي .. شكرا مرتين .. مرة لك .. ومرة لروحك الحلوة .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: