التزلج في يوم مشمس !

كان البشر يحتشدون في هذا المكان المشمس المغطى بالثلج الأبيض ..
البرد بالخارج  مع الدفء داخل المقهى يتناوبان على اقتحام أجسادهم المغطاة بثياب أختلفت الوانها و خاماتها ، كل حسب ذوقه و قدراته المادية.
غطت جسدها المترهل ، المثقل بوزن زائد ، وهموم تتجاوز سنواتها الأربعون بمعطف خفيف صنع من الكشمير الناعم و بُطن داخله بفراء أرانب عده .
لا تشبه أغلب من يحيطونها ، فهي هنا لا للتزلج بل لإنتظار يصعب عليها تكهن مداه ، أتت مع رفقة لها أصطحبوا أبنائهم وعادوا معهم أطفالا ، بينما بقيت هي كما عرفت ذاتها منذ سنوات طويلة ، طفلة وحيدة رغم عدد أخوتها الكثير و رغم كثرة معارفها .
جلست بالقرب من النافذة على طاولة تتسع لأربع أشخاص ، نظرا للتدفئة نزعت الأرانب المتخفية بينها وبين الكشمير و تركتهم ليناموا على المقعد المجاور مع حقيبتها التي قد لا يعرف أغلب من هنا أسم  ” العلامة التجارية ” التي تحملها و لا السعر الباهظ الذي أشتريت به .
أتت من بلاد حاره ، من صحراء ممتده ، لم تعيش بها رغم أنها تحيطها ، فهي تقطن منزل مكيف الهواء و تشاهد أغلب ما يشاهده الآخرون هنا وفي الوقت ذاته .
شاهدته و شاهدت المزيد حتى سئمت وعادت لما كانت تفعله أيام طفولتها ، للقراءة و تأمل الناس لقرأتهم و البحث عن ما هو مكتوب خلف أغلفتهم التي يعتنون في تجليدها لتظهر بشكل يتصورونه أفضل ، متناسين أن للأوراق رائحة و للحروف وعلامات التعجب و الاستفهام معاني و ما كتب حقا سوف يظهر لمن يحاول القراءة متمعناً بصمت .
في الزاوية وقفت فتاة متوترة بعض الشئ رغم ثباتها وحسن هندامها ، ظلت مرتبكه وكانت بسيطة ، حين أقبل قل توترها ، لكنها فقدت تلقائيتها التي كانت هنا قبل وصوله ، بدت أكثر تكلفا و أكثر أبتساما ، لا تعلم بأنها كانت أجمل قبل حضوره و لم تنتبه لحقيقة تعيشها وهي أن حضوره يربكها لكونها تبحث عن قبول من شخص يملك ملامح ثابته و شفاه لا تتكلم إلا قليلا .
أختفيا من أمامها ، مضيا لكثبان الثلج ، ظلت هي تحاول بمرحها أن تكسر برودة ما و هو كان البرودة ذاتها !

على مقعد ليس ببعيد رجل مع ثلاث سيدات و عدد من الأطفال ، لاحظت بأنه كان يرقبها وحين لاحظ بأنها لاحظته نهض من مكانه ليبتاع بعض المشروبات ، ويسأل بحرص ولطف السيدات اللواتي يجلسن معه فيجبن بأصوات مرتفعه نظرا لضجيج الصغار حولهم و بشفاه تتسع و حواجب مقطبة بلا غضب ، شعرت أن أحد الثلاث زوجته و البقية اخواتها ، حين مضى يتحرك لاحظت أنه رغم كتفيه الهزيلين يمتلك بطن يشبه ثمرة بطيخ صغيرة التصقت بجسد رجل نحيل ، يتهادى بخطوات لا ينقصها الخيلاء وكأنه أحد أبطال كمال الأجسام ، عيناه رغم التعب توحي بأنها كانت جميله يوما ما ، و تحركاته توحي بأنه لم يزل رافضا الحقائق التي تأتي بها الحياة ، كبر السن و فقدان الكثير من الجاذبيه التي لا تأتي ولن تعود بهذه الخطوات أو تلك المشية .
أخرجت كتاب معها يتحدث عن زمن لا يشبه هذا الزمن بشئ ، زمن رفاهيته لا تقترب من حدود ما يعيشه أبسط أنسان في هذا العصر ، عصر لم يعرف أجهزة التكييف و لا الستائر التي تحجب الشمس و تجعل الليل نهارا ً ، وقت لم تخترع به النظارة الشمسية و بطاقات السفر أو أماكن الترفيه التي تقتات من الطبيعة وفي كل موسم لا مواسم معينه .
فهذا موسم التزلج ، وفي الصيف موسم السباحة ، ولا تتوقف تلك الرياضات فهناك دائما أحواض سباحه داخليه مدفئة في عز الشتاء لهواتها ، و مناطق صغيره  تختلف عن هذا المكان وجد بها الثلج تحت تصرف الأغنياء فحسب و بأسعار مرتفعه .
كتاب بين يديها يحكي عن اللحظات الأخيرة في حياة أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ، يتحدث عن حياتها مع الرسول الكريم ، كلما قرأت سطر شعرت بأن هناك هوة تفصلها عن الطاولات القريبة و تتسع الى أن شعرت بأنها بعيده .. بعيدة جداً .. و وحيدة ..  فهي لم تصل لذلك الزمن الذي تقرأ عنه .. وليست قريبه حقاً من الزمن الذي تعيشه .. ترى أن الحياة تسرقها .. وربما كانت هي من يجعلها تـُسرق منها .. تهدر ساعاتها في انتظار لا ينتهى .. انتظار قد يطول و لأجل لحظات قصيرة .. تماما كالمتزلجون الذين يصطفون بالساعات لأجل أن يهبطوا من القمم  المرتفعة للسفح في لحظات قصيرة !
اليوم هي تنتظر في مكان لم تختاره ولم تجد سواه لتحتمي به من ذاك البرد القارص، بين جدرانه تشرب قهوة لم يكن طعمها  كما تحب و تتبعها بمشروب شوكلاته ساخنه  أتعبها به كثرة السكر الزائد فيه !
تجلس وهي تعلم بأن الحياة لا تختلف كثيرا عن كل ما تمر به و ما يحيطها ، بدء من الأفراد الغير متجانسين ، إلى الأختيارات المتاحة و القليله ، مرورا بالتوقعات التي قد لا تصيب و الحلم المستمر بشئ آخر و حقيقة أن العمر قد يصبح انتظار يتبعه انتظار !
إن النعم تحيطنا ، فهاهي الشمس لم تزل تشرق ، ها هو الثلج رغم برودته يرضى بكل حب أن تكون ملاعبه البيضاء مثل قلب نقي لعبة لنا ، و هاهم الناس قادرون على الضحك أو التفكر أو التأمل أو الهروب كل وفق قدراته و طبيعته ، يعيش في أزدحام داخلي و خارجي به قد يتجاوز هذه النعم أو التوقف أمامها ، ليحيا و هو يتصور به إنه علامة فارقة  و شيئا مهم ، دون أن يدرك بأنه مجرد تذكرة ركوب قطعت للتزلج أو عابر سبيل .

في هذا المكان تتنازعهم يد الدفء و البرد و مختلف الأشياء ، ليجتمعون كبشر دون أن يجتمعون حقا ، على الحائط العالي علقت أعلام الدول متقاربه شكليا و متحده في الظاهر ، لاحظت أن علم موطنها نصب بالمقلوب فبدت الكتابة منعكسه ، حدثت ذاتها قائلة ” حتى ان وضع بشكله الصحيح قد تظل حروفه غير مفهومة للأغلبيه ، خاصة من وضعوا بالجوار علم لأمة أحتلت وطنا مجاور وهي الأن معلقة بالقرب و كأنها أخت صديقه ! ” .
مفارقات عديدة تحدث تحت الشمس وفوق البياض ، تستمر في البرد و الدفء ، موجودة من قبل الأشراق و مستمرة بعد الغروب ، مسترسلة كمقطوعة الحياة التي لا تنتهي  ، غير منقطعة بكل ما بها من تآلف و تنافر و أنسجام و نشاز ،  تبقى مستمعة لها بشكل أجباري ، كل نقرة دف وكل رنة وتر قادرة على خرق الأبواب و النوافذ المغلقة ، لذا تستمع مرغمة و بدون استمتاع احيانا .
يمضى الوقت و تقترب ساعة الغروب ، ترقبها الشمس قبل الرحيل و هي تجلس على الطاولة القصية  وحيدة ، لا تتزلج ، ترقب الآخرين فقط  وهم ينزلقون واحد بعد الآخر كالجليد الذائب في هذا اليوم المشمس ، مدركة بأنها ستنزلق يوما ما من هذا الركن القصي الذي تحتمي به لتصبح مثلها مثلهم تماما و إن لم تكن تظن ذلك .

الأثنين 17 فبراير 2014 .
بوسطن .
12 و نصف بعد منتصف الليل .

~ بواسطة يزيد في فبراير 18, 2014.

2 تعليقان to “التزلج في يوم مشمس !”

  1. جميل

  2. العلم بالمقلوب و كذلك تأثير الستارة 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: