أن يحيطك ما تحب

29mar2014

في هذا اليوم أركب الطائرة لأعود الى بلادي .
و بلادي رقعة جغرافية ممتده تحيطها دول اخرى عديدة كما تقول الخريطه .
لكن و وفق الاحتكاك الواقعي و اليومي تظل الأشياء الصغيرة التي تحيطني و التي أستخدمها  جزء حقيقي من يومي و قالب أو أيطار أحيا بداخله حياتي و كأنه وطن آخر .
في السفر أغادر هذا الوطن ، أفارق هذا الايطار ، ابتعد عن قالب يحتويني و اتوه في غرف جديده و أماكن  رغم تكرار ذهابي لها أبدو و كأني اقطنها للمرة الاولى !
مفرش السرير هنا لا يحمل بعض رائحتي و ليس من أختياري ، اللوحات التي ترقبني مثل عين فوق الجدار لا أحمل صوبها أي ذكرى و لا أجد بها غالبا الكثير مما أذكره بعد الرحيل إلا القليل منها فيما ندر .
الأقداح المصنوعة من الورق المقوى تقبلني  في مقاهي تأخذني لها الطرقات كل صباح مرغما لا مختارا ، و الوجبات التي تأتي على عربة يحملها رجل غريب لغرفتي تتطلب مني الأستعداد لحضوره و تجردني من أبسط مبادئ الراحة .
اللغة التي أتحدثها و أدبر بها أموري هنا لا تعبر عني تماما  و تظل قاصرة و عاجزة عن احتوائي بالشكل الذي تفعله لغتي الام .
إن الدفء الذي اشعر به حتى في أكثر المواسم برودة و الحد الأدنى من الأستقرار الذي أعرف يغادرني مع مغادرتي في أي طائرة تحلق بعيدا عن أرض تحمل أغلب ذكرياتي و بها قضيت حياتي و بها أغلب من أعرف و بيت به تقطن جمادات قادره على تشكيل يومي و منحه ألفة أحتاجها و أعتدت عليها .
ينشأ بيننا تعود مريح و أرتباط عميق ينسج خيوطه بلا تعب منا أو تعمد ، وحدها الأيام تمر و توثق ذلك الرابط بيننا و بين اشياء قد لا تتحدث و لا تتحرك و تملأ علينا وحدتنا و تبددها ، و هنا أتحدث عن لحظات الخلوة التي اقضيها وحدي بعيدا عن الناس الذين أحبهم أكثر في وجود تلك المسافة !
في السفر قد لا نعيش هذه الخلوة الاختياريه ، بل نحيا وجود غريب يقترب من الاقصاء ، به نعيش الوحده بشكل قصري فنصبح وحيدين أكثر مما نكون حقا ، قد نمضي بعض الوقت مع رفقة الرحلة لكن آخر النهار نعود وحدنا لنتمدد كالموتى فوق مضجع نحلم فوقه بأقارب نشتاق لهم و أشخاص رحلوا و أماكن نفتقدها .
فوق تلك المراتب نمدد أجسادنا و نرقب سقفا يشبه بياضه السقف الذي في منازلنا لكن مع هذا يظل مختلف ولا يشبهه حقا لكوننا لا نرى في بياضه و بياض جدرانه اذواقنا و ما يشكل طبيعتنا و يجعل كل فرد منا شخصا خاص و مختلف يدعى ” أنا ” .
البارحة اثناء توقفنا بمدينة نيويورك لليلة واحدة ، زرت متجر ” Bergdorf Goodman ” و في الدور الذي يقع به المقهى و مقتنيات المنزل وجدت هذا الكتاب ، شعرت أن عنوانه يمثل قناعة قابعة لدي و ترجمها العنوان .
بلا تردد اشتريته و في غرفتي بالفندق جلست على المكتب و كتبت في غلافه الداخلي تاريخ الشراء و سطور تتحدث عن هذه الرحلة التي مضت سريعه بطيئه كأيام العمر .
رحلة بها تعرفت على وجوه جديده ، التقيت بها بوجوه كنت اعرفها لاعوام و وجوه ارتبطت لدي بتلك المدن و اعتدت لقائها هناك في كل رحلة ، حتى اصبح اسمهم في عقلي الباطن رديف لأسم هذه المدينة او تلك !
لم أقرأ الكتاب بعد و إن كنت أنوي ذلك .. و كل ما أتمناه أن لا تكون هذه النوايا مجرد احساس عابر لا تترجمه أي أفعال .
في السفر .. أمشي أكثر مما أعتدت عليه .. أحتسي القهوة السوداء اكثر مما أفعل عادة .. أفتقد أستمتاعي بالشاي و القهوة التركية و الكثير من الممارسات اليوميه العاديه التي أفعل .
في بلادي أرواح تحبني و تنتظر عودتي ، كتب على الرفوف طال انتظارها ، أريكة افتقدت تكتلي في زاويتها ، قطع بسيطه من المقتنيات أو الاثاث تنتظر عبوري اليومي ، بعضها اشتريته أو كان يخص اسرتي أو بعض أفراد عائلتي و ربما هدايا من افراد عملوا لدينا لمدة أعوام ثم رحلوا بعيدا عنا لغربة أخرى داخل أوطانهم !
للغربه .. للاشتياق .. للسفر .. للعوده .. و لكل ما بينهما ..  و للحجرة ١١٣٣ أكتب سطوري هذه !

29feb1mar2014

~ بواسطة يزيد في مارس 1, 2014.

3 تعليقات to “أن يحيطك ما تحب”

  1. ما يجعلني أعود دائِمًا لمدونتِك أستاذْ يزيدْ , هُو هذه العاطفةُ القويةُ لديك تجاه الوطنْ .. رغُمَ كل الخيارات المتاحة لديكْ للهجرة بعيدًا .. هذا ( الإنتماءْ ) الذي بتْ أفتقدهُ كثيرًا في مشاعرِ الآخرينْ ..

  2. Loved it

  3. جيو .. اقدر لك هذه اللفته التي قد يرى البعض انها مبالغة مني او افتعال او ادعاء مع انه شعور حقيقي ليس لي اي فضل في اختياره او حمله بداخلي .. انه احساس ينمو باعماقي ولا افتعل شئ لأنميه او اعززه او ابدل منه و لكن احساسك به و تقديرك له اسعدني كثيرا شكرا لسطورك بصدق .

    رنا 🙂 شكرا .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: