يوم ممطر للذكرى

مشاعري في الخميس الماضي كانت غير مستقره الى حدما ، و نفسيتي  لم تكن  بأفضل حالتها ،  لذا حين استيقظت لبست ثيابي سريعا و بي رغبة للهروب للخارج ، بي رغبة بالانفصال عن كل شئ و الابتعاد عن تفاصيل عديده ، لكن المأساة انها تقطن رأسي و تمضي معي اينما ذهبت كسحابة رماديه تمطر بلا مبالاة !

مضيت للطريق الرمادي ، مخططا أن اشتري كوب من القهوة و أعود ، تفاجئت بأنها كانت تمطر ،  لم ألحظ ذلك حين فتحت النافذة صباحا بل عند النزول فحسب ، القطرات كانت تبدو خفيفه و مع هذا فضلت حمل أحد المظلات الكائنة بالقرب من حارس البناية .

فتحتها و ابحرت تحتها كسفينه قرصان كتب على رايتها السوداء  اسم العقار الذي نسكنه ، سرت في الطرقات فأخذتني و انتابتني رغبة بعدم العوده ، دخلت مقهى ” كونشيرتو ” جذبتني نوافذه الزجاجيه التي تطل على الشارع ، احتسيت خلفها كوب من الكابتشينو ، تأملت الناس و فكرت ببعض اموري الصغيرة التي تزعجني طبيعتي و طبيعة الناس ثم مضيت لاني قد لا احمل لبعض ما افكر به حلول او خيارات  .

في الطريق استوقفني عراك بسيط  بين سائقي باص و شاحنه ،  تشاجرا قرب محل زهور صغير احتل زاوية قرب كنيسه عتيقه ،  انعكاسات حركة اجسادهم كانت تنعكس على الارض و على اعيننا و اصواتهم العاليه التي تعبر عن غضبهم  تنافس محركات السيارات و تغطي على صوت رذاذ المطر المتساقط بهدوء دمعات ،  لمحت الزهور كانت منحنيه الرأس حزينه على الانسان الذي قطفت من اجله و عبثا لا يرى الكثير من الجمال الذي يحيطه و لا يخرج بعض الجمال الذي يسكنه و يعيش في هذا الكون دون أن يعيش حقا ، هو قد يستهلك ذاته و ايامه فحسب و قد يستهلك الآخرين معه دون قصد منه و ربما عمدا .

صناديق البريد الحمراء لم تزل حمراء ، و الباصات ذات الطابقين تمضي  كما هي منذ سنوات بعيده ، كذلك كبائن الهاتف التي زين بعضها من الداخل بكروت لعاهرات يبحثن عن أي زبون كان بقيت كما عرفتها منذ طفوله ، فهذه البطاقات تعد أول الصور العاريه التي شاهدت في عمر مبكر حين كنت استكشف العالم من حولي و استكشف بعض ذاتي !

الاشجار في حديقة ” الهايد بارك ” تقف ضد الزمن و ترقب الارواح التي تأتي و تمضي في هذه الحياة منذ مئات السنين ، مبنى عمارات  ” مهدي التاجر ” ذات الجلسات السداسيه و النوافذ المضلعه و الحجر النبيذي المعتق تقف في ارضها ، مررت أمامها و أنا اتسأل  هل حقا سكنتها عام ١٩٨٦ ميلاديه مع اسرتي ذات مراهقة ؟ هل يذكر بعض افراد عائلتي زيارتهم لنا للافطار كل صباح !؟   و تلك الاواقات الحميمه اين ذهبت !؟
بها شاهدت مع اختي و أبي مسلسل ” بكيزه و زغلول ” عند نزوله لأول مره ، و أعدت مشاهدة فيلم ” الطوق و الاسورة ” مع اكثر من شخص من عائلتي ، قرأت رواية ” الانسة هيام ” التي كتبها مصطفى أمين و تعرفت على قلمه لأول مره .
بها عشت ايام انتهت و بقيت في ذاكرتي حتى اليوم ، و لم تزل قادره على تحريك مشاعري مثيرة بداخلي الدفء و الحنين كلما مررت امامها ، رأيتها امام عيني في تلك اللحظة  وجه حبيب عشقته لوقت ثم افترقنا ،  رغم ابتعادنا بقيت سطوته علي تسكنني  تحرك في العمق شوق ادرك أنه رغم  قوة وجوده غير مجدي ، فهو  لن يعيد ذرة مما مضى و في القادم لن يفيد .

عند تمثال الامير  ” البرت ” المذهب تذكرت أبي ، فعلى تلك الدرجات المؤديه للتمثال ذات زمن ماضي و قبل ولادتي ، حمل كاميرته ليلتقط صورة فوتغرافيه لأمي في مرحلة  الستينات الميلاديه ، كانت في الصورة التي رأيت جالسه على تلك الدرجات و اليوم تم تطويق هذه الدرجات بسور مذهب كي لا يجلس عليها أحد ، مع هذا كانت تعبر الطيور ذلك السور و تصل نظرة  اعيننا لعتباته موقظة ذكريات لم نعشها لكننا قادرين على التفاعل معها و التأثر بها .

قاعة ” البرت هول ” الدائريه كانت بالقرب ، على مسرحها اقيمت حفلات لكبار الفنانين ، بها تم تكريم الموسيقار محمد عبدالوهاب و غنى بها عبدالحليم قديما و ماجد المهندس حديثا ، حيث كتب لي أن احضر تلك الحفلة لأشعر بأن القاعه العريقه تحولت في ذلك المساء الى حانة شرقيه رخيصه ، لم تكن القاعة نفسها و ربما لم تعد كذلك ، شعرت لوهله بأنها تقف صامته بشكلها الدائري ، منغلقة على ذاتها كعجوز  ترقب الزمن و هو يمر على كثير من الاشياء فيبدلها و يغيرها و يحرفها و لا تملك امام ذلك سوى صمت حجر و برودة جدار    .

حين مررت امام فندق ” بولغري ” تذكرت جلسات قصيرة المدى عميقه الاثر امام مدفئته و النيران المشتعله بها ، تذكرت وجوه سافرت و وجوه ابتعدت عنها ،  رسائل كتبتها عبر الهاتف و لم أرسلها و أخرى ارسلتها ، لتعبر مسافات طويله دون ان أعلم هل وصلت لقلوب من ارسلت لهم و هل بقيت هناك ، ام انها عبرت و سقطت كورقة خريف قد لا يكترث لعبورها أحد  .

في شارع مزدحم بالناس من كل الجنسيات و امام كشك يعد فطائر ” الكريب ” وقفت ،  اشتهيت ان اتناول واحده و اخترتها بالسكر و الزبده ، لكنهم اضافوا لها ايضا بعض الليمون ، حملتها بيدي و بدأت اتناولها سيرا و ارقب الناس و يرقبوني ، مع هذه المراقبه لم اتذكر طعمها جيدا و مع محاولتي لعدم تعطيل السير على الرصيف المممتلئ لم اتلذذ بها بالشكل الذي اود ، انتهت دون اشعر بها و دون ان تستوقفني حقا .

في آخر الفيديو اضفت مشهد احببته ، به وجدت روح تشبهني و للدقه شعرت اني ارقب احساسي في مرآه ، الحياة رغم ازدحامها ممر خالي و رغم زينتها تظل باهتة الجدران و مهما كنا بها مع الاخرين نظل وحدنا ، نعبرها و نحن نحمي ذاتنا من امطارها بمظلة تصارعها الريح و يغلبها تيار الهواء .

كانت هذه ذكريات اليوم الذي لم احبه و لا اكرهه في الوقت ذاته .. يوم ممطر بالذكريات و الحوارات الداخليه و الافكار .. يوم ممطر انتظرت به غيمة و لم تأتي !

~ بواسطة يزيد في فبراير 28, 2015.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

 
%d مدونون معجبون بهذه: