حدث

لم يكن ما حدث مزعج بالنسبة لها لو حدث بصورة اخرى !
صورة تساعدها على المضي دون أن تلتفت خلفها ، لكونها تعلم بأن القطار توقف هنا و أن الرحلة لم يكتب لها محطة جديدة ، عوضا عن أن تغفو على مقعدها في المقطورة لتستيقظ و تجد كل الاشياء التي شاهدت قبل نعاسها موجودة لكنها لا تتحرك و لا تنبض و لا من صوت هنا .
هذا هو الرصيف تجول فيه الريح ، و هذه هي الحقائب بلا ركاب ، و هذه هي مقطورة القيادة  بلا سائق فقد فر بعيدا و تركها هنا في محطة عُلقت فوق جدارنها اللوحات المعدنية الإرشادية لكن دون أن يكتب فوقها شيئا ، فلا تعرف أين هي و لا تدرك إن أصابتها حاجة إلى أين تمضي .
أشجار بعيده تطوق المدى ، و أعشاب تفكير تنمو و تحجب الرؤيا فتثير بداخلها هلعاً ، فهي ببساطة لا تريد أن تموت الآن ، لا تود أن تسقط و تلقى كمحرمة مستعملة من نافذة قطار مسرع على قارعة الطريق و في أي طريق ، دون أن ينتشلها أحد أو يضعها في مكان يحتويها .
الاحتواء هو كل ما كانت تبحث عنه منذ بداية الرحلة ، و لأجله تقبلت الدرجة التي وضعت بها طالما إنها تمسك بيدها تذكرة تؤكد أن هذا الكرسي لها و طوال السفر سوف يحتويها ، تمنت حين دعاها للمضي معه أن يختار لها مكاناً يناسبها لكنه لم يفعل و لم  يكترث طالما  أن مقعده في مقطورة القيادة ينتظره مع وجبة ساخنة و لفائف سجائره و الهدوء الذي كان يبحث عنه و يريده .
يتأمل الطريق ، الغابات ، يسرح بمخيلته ، و تغازل عيناه العابرات في هذا الرصيف أو ذاك ، يحفظ صورهن في أعماقه و في استراحة مباغته ينزعها من مقعدها و إن كانت مشغولة ، ليغمض عينيه و يتخيل أنه يضاجع سواها و هو يضاجعها !
كانت تود أن ترى وجهها في عينيه لكنه دائما كان يغلق جفونه ، كانت تسرقها الأفكار و الشكوك و الحزن فلا تركز معه و تشعر بأنها بشكل ما ربما تخونه !
تمد كفها الصغير و تحنو عليه ، تجذبه نحوها لتكون قريبة منه أكثر في لحظة ذروته ، يزيل يدها عنه بتلقائية مخيفه و صمت لا يقطعه سوى أنفاسه و اهتزاز العجلات فوق قضبان القطار الذي يمضي إلى محطة ما ، مكان سوف تستقر به كما أخبرها ، ليصبح لديها مكان تنتظره به ، و أواني تطهو بها بحب و تُريه كل ما لا يعرفه عنها ، فهي في قرارة ذاتها موقنة بأنه لا يعرفها حق المعرفة و إلا ما كان عاملها بهذه الطريقة التي تعامل بها المومسات ، تصمت لبرهة و هي تتسائل فكل ما تخشاه إنها باتت كذلك !
ينهض من فوقها و يعود الى مكانه ، تلملم ذاتها لتعود مكانها فتجد أن الطعام الذي بدأت بتناوله و انتظرته تم حمله و إلقائه ظنا بأنها لا تريده ، كانت جائعة و متعبة للحد الذي به فضلت أن لا تجادل لا سيما و أنها محسوبة عليه أو ربما كانت تتخيل ذلك .
فهو لم يُعرفها بأحد من فريق العمل ، لم يخاطبها بشكل يمنحها قيمة ، يشير لها فتتبعه ، و في الظلمة يدخن معها سيجارته أمام باب القطار المسرع و بينهما حديث مقتضب من جهته و مسترسل من قبلها لا يقطعه سوى انتهاء السيجاره و إلقائها من نافذة القطار و المضي بلا توديع ، كان العمل حجته المفضلة و العذر الدائم الذي تمنحه له مرددة بأن هناك محطة قادمة و استقرار قادم لا محالة .
ترقب ظهره و هو يمضي فينتابها حزن عليه ، من المؤكد أن هناك أشياء عديدة مر بها و منحته هذه القسوة و ربما الفضاضة الباديه رغم صوته الهادئ و نظرة عينيه الحزينة ، هي تحبه بكل ما به ليقينها بأنه إنسان ، فهذه العيوب منحته مصداقية كبيرة فارتبطت به أكثر .
تصورت كل شئ و أي شئ و هي تسند ظهرها على مقعدها مستسلمة للنعاس ، إلا أن تستيقظ و لا تجده و تجد أن القطار يقف في محطة فراق نائيه ، هجرها الركاب ليمضوا في قطار آخر ، فالناس لا بد أن تعيش و تلحق بارتباطاتها ، لن تقف الشمس عن المغيب لكونها ضائعة فها هي تزحف بضوئها البرتقالي الخافت ببرود قرص فوار يتلاشى خلف الأعشاب ببطئ وهدوء  .
تحرك كفها على وجهها و عنقها لتتأكد بأنها مستيقظة و على قيد الحياة ، تتنفس لكن هناك اختناق ينمو بداخلها ، كإهانة حدثت و لم يرد عليها ، كأم ضاع صغيرها منها و لم يترك خلفه أثرا لتصل إليه .
على مقعد في المحطة جلست ، هذا المقعد جمعها به في أول لقاء ، لكنه في هذا اليوم لا يشبه ذاته ، فأحد يديه كسرت ، ألقيت على الأرض و لم يكترث أحد .
نهضت من مكانها و وضعت هذه اليد بجوارها ، حاولت أن تعيد تركيبها و لم تنجح ، جلست تتأملها و شعرت بأنها تشبهها بشكل أو بآخر ، فتحت حقيبتها المتسعة كشوال كبير و ألقت بها اليد دون أن تدري لماذا أو لم فعلت ذلك !
صوت صراصير الليل خلف الأعشاب يصلها ، لا شئ مضيئ هنا سوى قمر مستدير بعيد ، يعكس ضؤه الفضي ظلال الأشياء و يضخمها ، لترى المحطة أكثر رهبة و شعورها بأنها مهجورة يُصبح أعمق .
لا تتحرك من مكانها فلا مكان آخر سوف يحتويها ، إلى أين تمضي في هذا السواد ، تدرك أن هناك أشياء تُحل بالوقت و حلول الوقت ليست اختياريه ، فهو قد يأتي بالموت معه كأحد الحلول المطروحه !
يخيفها هذا الخاطر فتجذب الحقيبة التي تحتوي الحديدة و تضمها لصدرها أكثر ، تسمع صوت أقدام تقترب فتزيد رهبتها ، تنهض بهدوء و تتوارى خلف لوح خشبي و ظل ممتد لترقب القادم .
رجل غريب يدنو و يخفي رأسه بقبعة لا توضح ملامحه ، تتخيل ما قد سوف يفعله ، تشعر بأنه سوف يؤذيها بلا دليل ، و في خضم التفكير تخرج اليد الحديد من حقيبتها و تضربه على رأسه فيسقط و تستمر بضربه مخرجة كل الغضب الذي بداخلها و الخوف الذي يسكنها ، فهي مهانة حتى النخاع ، مجروحة و مهمله ، ينتابها بكاء على ذاتها فتنتحب و تنتحب و هي تجلس فوق الرجل و تبكي موته أيضا فهي الآن ادركت أنه لم يفعل شيئا و أنها في لحظة تحولت من إنسانة بريئة الى قاتلة !
بركة من الدماء تتسع تحت جسده .. جسده الذي تعرف رائحته .. إنه هو .. هل عاد لها !؟
و لتبرر فعلتها تردد متسائلة .. ربما عاد لينهيها  !؟
” لا .. إنه عاد لي .. فالطبيعة كانت كفيلة أن تنهيني في مكان كهذا ” تهمسها بلا صوت .
تحادث ذاتها .. باحتمالات لا تحمل لها أجوبة .. أسئلة تنزف في اعماقها كالدماء التي تمتد صوب ركبتها و هي جالسة فوقه و تحيطها .. تعود لتلمس وجهها و عنقها … تتمنى أن لا تشعر بهم .. و تتمنى أنها تحلم  .. تتمنى أن كل ما حدث لم يحدث .. و إن حدث !

اضافه :

كتبت هذه السطور من وحي هاشتاق في تويتر بعنوان :

#لو_كنت_مخرج_وش_عنوان_فيلمك .. !

~ بواسطة يزيد في أبريل 14, 2015.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: