طُرق لا تشبهنا

7jun2015

يحدث أن نسير في درب لم تألفه خطانا من قبل ، تجذبنا عتمته و الاضواء التي تومض من بُعد ، نرى في ضبابه عنصر مغاير ، في عدم اتضاح الرؤيا مغامرة توقظ الفضول بداخلنا ، يأسرنا الغموض و يسرقنا من طرق الفناها و عشنا بها لسنوات ، درب جديد ينادينا من احياء لنا بها ناس ، يقطفنا من نوافذ  بيوت هادئة ، كنا من خلالها نرقب العالم بسلام ، و نتسلى في الليالي الطويلة  بمتابعة القمر المضئ المكتمل و كيف يتبدل حاله في أول الشهر و آخره .
في هذه الأرصفة الجديدة نسير ، بيد مفتوحه تود أن تقبض على يد اخرى ، مخافة أن تضيع !
هنا قد نكتشف بداخلنا أشياء لم تظهر في الضوء ، نرى بعض أعماقنا و نخاف أنفسنا ، في هذه الظلمة تُضئ ظلمتنا ، فنسقط في هوة لها لون داكن ، لا نعرف لها حدود أو أبعاد ، نستشعر أن المنطق مفقود هنا ، و التوجس له رائحة على طول الطريق ، و لوقع القدم رهبة ، فكل خطوة هي بمثابة نهاية قادمة أو بداية جديده !
نسمع صوت بل أصوات ، لكن لا احد ينادينا بأسمنا الذي نعرف ، و لا أحد يعرفنا حقا ، فنحن هنا غرباء ، نمضي معهم بلا ماضي و بلا مستقبل واضح ، نستمر بالسير خلفهم و نحن ندرك بأنهم لا يقدروننا بالقدر الذي نستحقه ، فنحن بالنسبة لهم مركبة عبور ، ممر يدخلونه و هم يعلمون بأنهم متجاوزيه ، فلا يمنحونه من ذاتهم شيئا ، و لا يخلفون بعد اختفائهم شيئا يسعدنا ، هي فقط علامات في النفس تبقى ، و بعض ذكريات عصية على النسيان .
في هذا الدرب نتوه ، نقطع المسافات دون أرتياح حقيقي ، و دون أن يكون لنا زاوية تخصنا حقا ،  فلا أرض لنا في هذا الطريق ، و لا مكان يُميزنا ، إنه درب الأرواح الضالة في ليل الحزن و عتمة الروح !
الضحكات هنا لها صدى و كأنها صراخ ، لكنها جوفاء لا تُدغدغ القلب و لا تَخرج منه ، الابتسامة قناع يخفي مخاوف كثيره ، نستر بها شكوك تحوم في أعماقنا كسرب من النحل يزعجنا ، و وحدنا من يسمع طنينه .
العطور هنا تتداخل رائحتها للحد الذي تفقد به هويتها ، فتضيع قدرتنا على التمييز ، نتخبط بين رقة الياسمين و قوة خشب الصندل ، لكن لا رائحة حلوة تبعث على الحياة ، أو تجدد الأمل أو تريح النفس ، و مع هذا نتنفس ، نستنشق الهواء ، و حين نفعل  تعبر مخيلتنا غابات محترقة … زهور محتضرة .. براعم تذبل .. و بتلات تذوي في أصيصها عطشاً !
في هذا الدرب قد تبدو لنا اللحظة المعاشة جميلة ، لكن جماليتها كالقرص الفوار ، بعد هدوء حركته ، و توقف رقصته ، يتلاشى كل شئ حتى القرص ذاته يختفي ، و لا يبقى سوى ” شيئا ما ” يغير طعم الماء المحايد و يعكر شفافية لونه .
في البدء .. كان الزمن سريعاً حين أتينا و في درب العودة بات طويلاً ، حتى خطواتنا لم تعد هي ، بات بها تخاذل و شئ ثقيل ، الضوء الذي كان يشع من وجوهنا قبل الذهاب غاب ، و النوافذ التي عدنا نقف بها ضاقت ، و القمر الذي كنا نعده مرآة ضوء ، بتنا نرى الخطوط الرماديه التي تعلو وجهه أكثر مما نراه !
كنا نُشبه الطرق التي نعيش بها ، و تُهنا في طرق لا تشبهنا ، و حين عدنا .. لم نجد انفسنا في طرقنا و لم نعد بعد ذلك المشوار .. نحن !

تنويه :
+ الصورة المصاحبة بريشة الفنان ( محمد حجي ) ، قمت بمسحها ضوئيا من مجلة ( صباح الخير ) عدد ٧٧٣ ، الصادر يوم الخميس ٢٩ اكتوبر ١٩٧٠ ميلاديه .

~ بواسطة يزيد في يونيو 7, 2015.

2 تعليقان to “طُرق لا تشبهنا”

  1. The heart has its reasons of which reason knows nothing.

    Blaise Pascal

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: