رمضان في عز الصيف

16jun2015aaa

نشر هذا الكاريكاتير عام ١٩٨٤ ميلاديه ، في مجلة ” سمير ” الصادرة عن دار الهلال المصرية ، و بالتحديد في نهايات شهر سته الميلادي ، و الذي يسمى ” جون ” بالأنجليزيه ، و ” يونيه أو يونيو ” في مصر ، و في العراق و بلاد الشام يسمونه ” حزيران ” ، بينما في تونس و الجزائر ” جوان ” .
و هكذا هو شهر رمضان ، شهر واحد لكن تختلف طقوسه من مكان لمكان ، و في كل عام يأتي بوقت ثابت هجريا و متبدل ميلاديا ، فتارة يصادف الشتاء و اخرى الربيع و احيانا اخرى الخريف أو الصيف .
احيانا أرى الحياة تتكرر في ناظري ، بقوالب مختلفة و ظروف مغايرة ، لكن المؤكد أننا أحيانا قد نرتاح على قدر التعب ، و نؤجر على قدر المشقة و الجهد ، و نسعد و نشعر بصفاء ذهني و نفسي في ظروف قد يستغربها الآخر ، ظروف قد تبدو لمن لا يؤمن بها مرهقة ، و متعبة ، و ربما ذات يوم سوف تشجبها “هيئة حقوق الانسان ” إن خطر لها ذلك !
بينما الحقيقة هي أن في هذا الشهر تنشط ” عضلة ” ارادتي الخاملة ، و أوقن أنها حقا موجوده ، تجتمع على المائدة عائلتي ، التي يشتتها طوال العام اختلاف التوقيت ، و الجدول اليومي ، يعم الهدوء شوارع المدينة مع اقتراب علو اذآن المغرب .
في غياب الشمس تشرق حياة احبها ، و استشعر دفء قد لا المسه طوال السنة ، الرضا عن الذات قد يعلو ، و الناس قد تبدو أفضل و ألطف ، و المزاج المتأرجح و المتوتر قد يغدو أكثر ثباتا .
في هذا الشهر قد نتفق بلا أوراق أو معاهدات مكتوبه ، على تناول أطعمة متشابهة ، و شراء علامات تجارية معينة ، و ختم القرآن ، و الاجتهاد في العبادات قدر الاستطاعة ، رغم اختلافنا الدائم على تفاصيل صغيرة و لمدة سنوات طويلة !
مع اقتراب الفجر نركض كالأطفال ، فهذا يتناول عصير اشتهاه خلال اليوم ، و آخر يخرج دخان سيجارته ليودعها ، و ثالث يعد كوب من الشاي ، فتحلو الأشياء كل ليلة حين نودعها أو نلتزم بالابتعاد عنها لوقت محدد .
نحيا هذا الشهر بكل تفاصيله و يحزننا وداعه و مرور أيامه ، فمع رحيله ترحل أمور احببناها به ، و من ضمنها حبنا لأنفسنا من خلاله ، فنحن قد نكون أقرب للصورة التي نتمناها لذاتنا !
تلك الذات التي يشتتها ما بداخلها و ما يحيطها ، المتعبة من الخطط التي تضعها و في ثواني قد تلغيها بل و تفسدها ، الضعيفة بشكل لا يتشابه مع قوتها في هذا الشهر ، المحبطة بلا سبب محدد أو واضح ، و المتعبة لعدة اسباب !
عام مضى على رمضان الماضي ، به رحل أنسان له في ذاكرتي مكان ، و خلال شهور تليه انسحبت من حياتي روح لم نقدرها حق قدرها – أو للدقة لم نعرفُه – إلا بعد رحيلها ، بعدها بوقت أنتهت حياة ملك أحببناه ، و المؤثر أن الثلاثة كان لهم مع المرض رحلة ، خلال العام اشياء كثيرة تبدلت علي حتى ذاتي (!) ، و ربما انعكس هذا على سطوري هنا و بعض تفاصيل حياتي ، فمررت بمرحلة تخبط كفأر في خندق يبحث عن مخرج ما ، و خلال البحث التقيت بأرواح ، حلقت معها لوقت ، و افترقنا كخيوط الدخان التي تلتقي لتفترق !
ربما شمس هذا الصيف حارة ، و الهواء ليلا يشبه هواء ” الاستشوار ” – مجفف الشعر – بسخونته التي قد تسلب أي حيوية و نشاط ، ربما استعدادي نفسيا لا يشبه احساسي في العام الماضي ، لقد زدت 10 كيلو غرامات عن رمضان الذي رحل – و تحديدا في الفترة الأخيرة – عاداتي الغذائية السيئة التي كسرت و بدلت ، عدت لها باستسلام مدمن و هزيمة راقص ” باليه ” كسر كاحل قدمه و بداخله احساس انه لن يعود للرقص مرة ثانيه !
الأكيد بأن ظرفي هذا  و ربما ظروفنا جميعا  قد عاشها سوانا و تجاوزها ، تكيف معها و مع الصوم صيفا ، دون ثلاجة أو تكييف بارد ، دون ستائر تحجب حرارة الشمس أو زجاج و جدار عازل ، عاش حياته الماضيه و ختم كتابه دون أن يكون لديه قرآن نائم في “جهاز ذكي ” مع تفسيره ، عاش متحركا تحت الشمس و في بيته ، دون أجهزة تحكم ، قد تفتح الأبواب و النوافذ و تغلقها ، لتدار الحياة ” الكترونيا ” و بلمسات الأنامل .
في الوقت ذاته يظل – رغم هذا التطور – بشر  – اعانهم الله و منحهم الصبر  – عرضة لاعتداء هدفه ارجاع عجلة التقدم للخلف ، فتجدهم بسبب الحروب أو الثورات أو لأسباب عدة ،  قد يقضون شهرهم الفضيل دون أفطار مناسب أو سحور ، يمر بهم بلا هدوء ، و دون أن يكون  لهم جدار يختبئون خلفه في بيت يحفظ له كرامتهم و وطن يئويهم ، ، تدوي أمطار الاسلحة و أصوات الطائرات فوق رؤوسهم عوضا عن سماع الصلاة، و عوضا عن اجتماع العائلة تتغرب و تتعرض لشتات يقصيها و يشردها ، ارواح في رمضان لا تتستشعر سكينة الشهر بل تعاني حتى النخاع !
احيانا تحيطنا النعم الكثيرة و لا نشكر ، تسرقنا الذنوب صغيرة كانت أم كبيرة ، و نحيا دائما على أمل بالغد ، و الغد لا أحد يضمنه ، في شهر المغفرة و الرحمة و العتق من النار لنا فرصة أخيره  للتوبه ، و لكن كيف لنا ذلك و قلوب بعضنا ربما طمست و اعتادت الذنب و يوميا تعيش فيه ، إنه شهر قد يبدو للبعض طويلا لكنه مشوار ، لذا فلنحرص على مغنمنا به .
لنكن أكثر صدقا مع ذاتنا ، فالحرية لنا في أن نكتب ما نريد .. و هي أعمارنا .. حياتنا .. لذا لننتقي كلماتنا قبل أن نخطها و لنجتهد في رسم الحرف .. لنُقرأ كما نريد .. كل عام و نحن أمة أفضل .. و يارب بارك لنا في هذا الشهر و أعنا كي نبدأ من جديد .

أضافه :
+ وضع الرسم مع رسوم اخرى ، في صفحة كتب في أعلاها ” الاستاذ شريف أفندي ، صايم صايم صايم ” ، موقعة بريشة الفنان حسني عباس .

~ بواسطة يزيد في يونيو 17, 2015.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: