في وداع أحبة

هذه المجموعة من الأفلام ، المحفوظة على أقراص مدمجة كبيرة الحجم ، مرتبطة لدي بمرحلة التسعينات الميلاديه .
معها قضيت أوقات خاصة و حميمة ، سواء مع اسرتي ، اصدقائي ، أو وحدي في الصباحات المبكرة و الليالي الطويلة .
صفاء الصورة و الصوت كان يتجاوز أشرطة الفيديو العادية بمراحل .
سطحها شديد النقاء كمرآة ، ينعكس عليه مع الضوء الوان الطيف .
مجموعتي التي اقتني تتجاوز ٣٠٠ فيلم .
اولها ” تجريبي ” اتى مع جهاز الفيديو مجاناً .

11LDFMDA

كان أبي قد اشتراه منذ وقت ، لكن لم يكترث له كجهاز مشاهدة بل استخدمه ليسمع الأغاني المسجلة على سي دي .
فلم أعلم عنه شيئا ، و لم اعرف هذه الأسطوانات الكبيرة إلا حين شاهدتها لأول مرة في بيت صديق لي .
عدت منبهراً و حدثت أبي عما شاهدت ، ابتسم و أخبرني بأننا نمتلك واحداً ، و بأمكاني مؤقتاً أن أستعير من صديقي  بعض الأفلام ، لكونها غير متوفرة هنا و لا تباع لذا لم يهتم بهذا الجهاز كثيراً و وضعه جانبا مع ذلك القرص الكبير ، فالأفلام الأجنبية في ذلك الوقت لم تكن تعني شيئا لديه ، فقط التقنية و حديثها هي ما كان ما يجذبه لكل تلك الاشياء .
أذكر تماما أول عملين شاهدتهم ، الأول ” أميدوس ” عن حياة الموسيقار موزارت ، و الثاني رسوم متحركة بعنوان  ” الكلاب كافة تدخل الجنة ” و كلاهما من ترشيح صديقي .

11ldprsss343

بدأت أكون مكتبتي الخاصة من خلال السفر ، أقتنيت المجموعة الأولى من دبي – جزء اشتريته من مجمع تجاري و آخر من المطار – ثم على التوالي و بالترتيب ، أمريكا ، بريطانيا ، فرنسا ، النمسا ، و غالبا كانت توجد في المحلات الكبرى مثل ” فيرجن ” ، ” فناك ” ، ” تاور ريكورد ” ، ” هارودز ” و ما شابه .
في الرياض أقترح أحدهم أن اشتري من ” شخص ما ” كان يتاجر بهم ، لكني لم أرحب لكونه كان يُدبل السعر اضعافاً مضاعفة .
و هي اصلاً ، و وفق احساسي في ذلك الوقت و ميزانيتي كانت باهظة الثمن ، فبعضها قد يتراوح ما بين ١٠٠ دولار أمريكي أو خمسين ، أو ٣٠٠ فرنك فرنسي و احيانا يقارب الخمسين جنيه استرليني .
لذا كنت اتأنى قبل الشراء ، و لهذا اشتريت كتيبات خاصة ترويجه ، تباع و بها يظهر غلاف الفيلم و نبذة عنه مع سعره التقريبي ، كانت الأعمال في هذه الكتيبات تُصنف كل مجموعة حسب نوعها و كان هذا في المرحلة الاولى .

11drfssfeewef

في مرحلة لاحقة قلت الأسعار بشكل طفيف ، و أنتشر ” جهاز التشغيل ” في محيط أسرتي ، و بات البعض منهم يستعير مني هذا الفيلم او ذاك ، يهاتفني في البدء للاستفسار و الاستعارة ، ثم يمضي بنا الوقت طويلاً في احاديث متشعبة عنا و عن الحياة و ارائنا في هذا الفيلم او ذاك  .
تلقائيا رقمت هذه  المجموعة بأرقام تسلسلية ، و بت عوضاً عن كتابة اسم الفيلم و المستلف ، أكتب رقمه و اسم الشخص ، و لاحقاً استحدثت نظام ” جدول لكل صديق ” .

11ldwordoff

باتت هذه الأفلام تشغلني بمشاهدتها أو أرشفتها ، هذا الأندماج دفعني لاحقاً إلى تصميم كُتيب عربي ، كنت به أمارس هوايتي في الكتابة ، فأدون فكرة الفيلم في سطور صغيرة ، مستخدماً في هذا ماسحة الكترونية و برنامج ” مايكروسوفت وورد ” .
هذه العملية أخذت مني بعض الوقت ، فالأنترنت لم يكن منتشراُ كما الآن ، هي فقط شبكة ” انترنت ” اذكرها في البحرين ، كان البعض يدخلها في منتصف التسعينات عن طريق اتصال دولي ، جربتها لفترة ، و للتوفير كُنت أفتح الصفحة المطلوبة ثم أغلق الاتصال سريعا الى ان أنتهي من القراءة ثم أعيد الاتصال مرة اخرى و هكذا !
هذا التصفح المزعج ، اضافة للحجب في شبكة نسيج السعودية – و هي بديل للانترنت – أمور دفعتني للإكتفاء و الإندماج التام في تلك الأرشفة و مشاهدة الأفلام .

12ldlogossd

كنت اراها واحداً بعد الآخر ، و أكررها في اجازة اخر الاسبوع مع اخوتي ، أقاربي ، أو أحد الاصدقاء .
بعضها شاهدته سابقاً على اشرطة فيديو و أملكه ، لكن رغبت في اقتنائه مجدداُ و مشاهدته بشكل اصفى من جديد .
بعض آخر شاهدته في السينما ، أيام طفولتي أو حين كبرت ، و أحببت أن أعيده مسترجعاً اللحظة و ذكرياتي معه .
جزء آخر كان مرتبطاً بأحداث فترة التسعينات أو موثقاً لها بشكل غير مباشر، فأحدها يحكي عن ” الأستنساخ ” ، و آخر عن جندية في حرب الخليج ، اضافة للقضايا المنتشرة حينها ، كظاهرة العنف من قبل الطلبة في المدارس ، تلاعب المحامين في القضايا ، و شركات التصنيع في الأدوية ، و مدى تعمق الفساد و انتشار الجريمة .
هذه الفترة شهدت ايضا بزوغ الممثلة ” شارون ستون ” ، و دخول بعض عارضات الأزياء لمجال السينما و التقديم التلفزيوني و الغناء ، كان لهن ” سوق ” و جماهير ، أصبحن يُعرفن بالأسم ، و كان لكل واحدة منهن مظهرها الخاص و تركيبتها الجسديه المتفردة .

11ldewfsdsddde

كما كان للأغاني المصورة ، الحفلات الموسيقيه ، الأفلام الغنائية ، و افلام الرعب و الاثارة ، و الأفلام الكلاسيكية و المشاعر الانسانية و الرومانسية نصيب من رف مكتبتي ، بالأضافة إلى الرسوم المتحركة التي أحب ، و الصادرة من شركة ديزني الشهيرة أو المقدمة من قبل ” شركات انتاج مستقلة ” ، و التي كانت تتميز بأنها قصيرة زمنياً ، و حاصلة على جوائز دولية ، و ليست موجهة للأطفال ، و هي صدقاً الأفلام التي سعدت بأستكشافها ، و أستمتعت بمشاهدتها مراراً ، و أضفت احدها هنا  .
كذلك أقتنيت بعض نتاج السينما الأوربية و الآسيويه و كان مميزاً و له أجوائه الخاصة فكرياً و فنياً ، اضافة للقليل جداً من ” الخيال العلمي ” و الأعمال الكوميدية و البوليسية أو تلك التي تتحدث عن ثورة التكنلوجيا و تطرح فرضيات للمستقبل ، و تتخيل عالمنا بعد عام الفين .

13ldtur1997

كانت اجهزة التشغيل تعمل بنظامين أما أوربي  أو امريكي ، و كان الفيلم يُقسم على وجهين – ظهر و وجه الاسطوانه – و احياناً يقدم على اسطوانة أو اثنتين ليحتل ثلاثة أو أربعة اوجه ، و في حال تم وضع الوجه الخالي او الخاطئ تظهر لك على الشاشة  ” سلحفاة ” توضح لك ذلك !
حين ظهر الفيديو ذو النظامين ، و القادر على قراءة الوجهين دون أن يتوجب على المشاهد القيام من مقعده لقلب الأسطوانة فوراً اشتريته و كنت سعيداً به .

11lddfefoeinfoenwfoe

في هذه الأفلام أحببت التغليف ، و الطريقة التي يقدم بها المنتج في ورق مقوى مطبوع ، بعضه رسم به من الداخل ، و تكتب مشاهد الفيلم مرقمة ، لكل مشهد عنوان و رقم ” ١ دخول بيتر ، ٢ حزن ما ، ٣ لحظة الاعتراف ، .. الخ ” ، هذه التفاصيل مع الصور و العبارات التي تكتب للجذب و التسويق كانت تستوقفني و تلهمني .
من خلالها تعرفت على عبارة ” تو ثمبز آب ” ، و هو كنايه لأبهام اليد الذي يرفع دلالة على جودة الشئ ، و كان هناك برنامج لم اراه في حياتي يقال ان به ناقدين احدهما يرفع ابهامه و الاخر قد يختلف معه ولا يفعل المثل ، لكن حين يتفق الأثنين معاً فهي دلالة على نجاح الفيلم و يزين الغلاف بذلك !
بعض الأفلام كانت منقولة كشاشة السينما مستطيله ” وايد سكرين ” و بعضها اقرب للمربع ” استاندرد ” ، بعضها يزين بتوقيع المخرج ، أو به المشاهد المحذوفه من العرض السينمائي ، أو بها حوار مع النجوم والعاملين مع تعليق صوتي على بعض المشاهد وكيف صورت تماما كاسطوانات ” الدي في دي ” التي اتت لاحقا لكن مع فارق غياب ” قائمة البداية ” التي من خلالها يتم بها الاختيار .

11ld32rrdffsdf

هذه الاعمال التي شاهدت و أحببت لم تزل تحمل بصمات لزملاء افترقت عنهم و مضى كل منا في طريقه ، بقيت لدي رغم مرور الوقت و تبدل بعض الاقارب الذين شاهدوها حيث غدت السينما و الافلام الاجنبية من الأمور التي لا تعنيهم ، دار الزمن و ظهرت بعدها تقنيات حديثه ، متطوره ، و بعض من يراها لدي يتسائل عن فكرة بقائها و هي تعد اليوم عديمة الفائدة !
ربما هي الذكريات ، ربما لأن بعضها اتى لي كهدايا من أقارب أحبهم و أصدقاء ، من أمي و أبي في ظروف ” صحية ” ربما لم تكن سهلة عليهم ، و في ظروف ” مناخية ” لم تكن مناسبة ، و مع هذا اصروا إلا ان يبهجوني رغم برد الشتاء في رحلتهم تلك .
ربما لأني حين الامسها يحملني خيالي لتلك المحلات التي دخلت ، لتفاصيل تلك الرحلات ، و استعيد مشاهد من شريط حياتي لم تحفظ في قرص مدمج و ربما لا تعني أحد سواي .
كانت هذه الأعمال قادره على ايقاظ الذاكرة و استدعاء اللحظة و غمري بإحساس ما ، أشعر به و لكن لا يمكنني أن اشرحه حقا !
غدت و كأنها بديل للصديق ” التخيلي ” الذي كان يسليني في مرحلة الطفولة ، حين تضئ الشاشة تأتي بوجوه عدة ، اسمع احاديث شتى ، و حوارات بلهجات مختلفة ، و اسافر و ازور بيوت لا استنشق رائحتها و لكني اراها ، و اتعايش مع القاطنين بها ، و معهم و من خلالهم تخف الوحدة و تزيد معارفي بلا تخطيط !

11ldsffrefrrrrrefsedf

اليوم قررت أن أودعهم لأزدحام غرفتي ، فالاشياء الجديدة دائما ما تشق لها طريق ، مقصية ما هو موجود احيانا .
هذا النهار وجدتني مضطرا أن أدفن كل هذه الافلام في ” تابوت  أسود ” اشتريته عبر النت ، اودعها به لأخزنها في مكان آخر ، لنفترق حتى اشعار آخر ، به يصبح في المكان مكان لها ، و متسع و مساحة اكبر .
لكن قبل هذا التنائي المؤقت قررت أن أصورها ، جعلتها تفترش سريري ، مجموعة بعد اخرى ، و بعدسة هاتفي اعتقلها في مشاهد ، في آخر المطاف بات عندي ” فيديو ” طويل ، قد يكون ممل جداً لمن يشاهده ، و غير ممتع ، لكنه هنا ” لأجلي ” و لأجل ماضي عشته في حقبة ربما لا يذكرها البعض و ربما لا يعرفون عن هذه التقنية العابرة  الكثير .
هو موضوع للذكرى ، و للتوثيق ، به اختزل مشاعر شتى ، و احفظ ارواح فارقتني ، فأخبئها في طي هذه الأسطوانات لتتوارى داخل تلك الأغلفة الكرتونية كجني عملاق استطاع رغم كل شئ أن يسكن مصباح علاء الدين !

~ بواسطة يزيد في يوليو 20, 2015.

6 تعليقات to “في وداع أحبة”

  1. رجعتنا لفترة جميلة جداً رغم انها لم تستمر الا ٥ سنوات تقريباً وقليل من يذكرها لانها ما انتشرت الا عند فئة محددة لارتفاع ثمنها وبعدها توقف انتاج الاسطوانات الكبيرة لوجود منافس وهو السي دي الارخص ثمناً ،، مبدع يايزيد

  2. كل عام وانت بخير ومن العايدين يزيد ❤️

  3. أرجعتنا الى صفحات الماضي كم هي جميلة تلك الايام كم كنّا نعيش برضى وسعادة بعيد عن التسارع المخيف الحاصل الان اتمنى رجوع تلك الايام لاستمتع بكل لحظة فيها … شكرا يزيد على هذه المدونه الرائعة التي تحسسنا بدفي الماضي

    • هذه الفترة رغم النهوض من الكرسي لقلب الاسطوانة و رغم الكسل كنت احبها بصدق لا لكونها مضت فحسب بل لاني كنت اشعر كمستهلك ان هناك جهد مبذول بدء من التغليف و حتى المشاهدة كما ان الاقتناء لم يكن عشوائي بل بتأني و بالتالي المكتبة قد تشكل بعض من اهتمام مقتنيها و ذوقه لا قدرته على تكوين مكتبه و تعبئتها بكل ما يمكن شراءه و من ثم النظر به و غربلته .. الغربلة تتم هنا قبل الشراء و ايام غير متسارعه و احساسنا بها نفسيا كان افضل .. قادر على خلق ايام افضل منها و هذا الموضوع تحديدا اسعد يا عبدالرحمن بمن يرد به لكوني كنت اشعر بانه موضوع دخيل و يتحدث عن امر غريب و ترددت قبل اضافته لكن سعدت بمشاركته هنا و ردك اسعدني

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: