هي لحظة

أن تستيقظ بعد مغيب الشمس ، و عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل ، أن تسير في ممرات بيتك و تلمح شيئاً جديد آتي من طرف قريب بعيد !
أن ترى ” كعك ” مخبوز و يتراص فوق بعضه البعض ، و تدرك الوقت الذي عجن به ، و الزمن الذي خبز به في نار حاره قد يتحملها و لا تتحملها و لا تستطيع ذلك .
أن ترى الحياة مستمرة رغم محاولات هروبك المستمر منها ، أن تجالس ليلاً روح تحبها و تدرك أن ” سفر قادم ” سيحملها بعيداً عنك ، لذا تستيقظ لها ، و تتأمل وجهها ، لتحتفظ بكل شئ و تُبقي ” أي شئ ” في ذاكرتك ، التي سوف تزدحم بالصور الكثيرة بعد مُضيها ، و تخشى ” تأنيب ما ” قد يأتي إن أنت أضعت فرصة للقاء قصير أو حديث عابر معها .
أن تشرب من ” دلة قهوة ”  تاريخ بعض أجدادك ، الذين لم تعرفهم و لم يعرفوا هذه الدلة ” اليابانية ” الصنع !
تشاركهم في شرب وصفة متوارثة جيل بعد آخر ، وصفة حاولت أن تعدها مراراً بالطعم الذي تحب و لم تستطيع ، وصفة مقاديرها مرتبطة بالطبيعة و لا تعنيها السياسة ،  بها الزعفران ” ايراني ” و لأجل جمع خيوطه الصغيرة تقطف زهور كثيرة ، و تفنى حقول كبيرة ، متسعة ، كقلوب من يُحب في هذه الحياة  .
أن ترى في ” السكون ” الأشياء و هي تفترق و تقترب ،  بعيداً عن أي تنظير ، أو تسيس ، أو فلسفة قد يزدحم بها الرأس و يتعب دون أن يصل إلى شئ ما !
ترقب الدخان و هو يتصاعد من مبخرة صغيرة على شكل رجل بزي وطني صنعت في الصين ، أتت هدية من ” صديقة ” لوالدتك و استقرت لديك ، هي ذكرى لرحلة جمعتكم سوياً في ” دبي ” ، دونما ترتيب أو تخطيط ، و تم شرائها من سوق ” بني ياس ” الشعبي لتبقى ذكراها في نفوسكم الى اليوم .
هو ” بخور ” اتاك هدية من أحب الناس لديك ، تجد في احتراقه بعض طيبها و في صبره على النار بعض صبرها و في عمق صمته تستشعر روح حكمتها .
هو فنجان قهوة كبير ، لا يظهر على مائدة أهلك سوى في رمضان ، و في بيتك هو دائم الظهور و الوجود ، ” الوردة ”  التي به تذكرك بوسائد كنت تراها في غرف بعض العاملات بالبيت و أنت طفل صغير في مرحلة السبعينات ، حُشيت بالأسفنج ، و رسم عليها غطائها زهور تشبهها ، على جهة كتب ” صباح الخير ” و على الأخرى ” تصبحوا على خير ” و بعضهم قد لا يعرف القراءة  أو الكتابة ، لكن المؤكد أنها في نهاية اليوم تحمل أجسادهم التي تعبت ، و رؤوسهم التي أرهقها التفكير ، و شاب شعرها في غربة البحث عن فرصة أفضل .
هو ” صحن ” زجاجي ، فرنسي الصنع ،  له لون العسل ، كلما رأيته ذكرتها و تذكرت أيامي في ” بيتها ” الذي شاهدت به هذه الصحون لأول مرة ، فتعود لي تفاصيل منسية و بعض ملامح وجهها الذي رحل .
هي ” سكين ” اشتريتها من الحي الصيني ذات سفر ، برفقة صديقة مصرية  في مدينة ذهبت للعلاج بها، ابتعتها في يوم ضحكنا به كثيراً ، لا لأن هناك شئ يدعو للضحك بقدر ما كان احساس ملح في تلك ” الظروف ” و احتياج لفعل ذلك !
هي ” صينية ” تحمل كل هذا الأشياء ، اشتريتها ذات مساء ، من محل أمريكي و في لحظة ضيق ، في محاولة للأنشغال عن ” حزن ما ” و الهرب من ” يأس ما ” ، هي قطعة خشب عاديه و مع هذا انبهرت بها ، رددت بلا صوت ” ستكون جميلة حين أعود .. ستكون مناسبة مع تلك الأكواب ” ، لأدخل في ” حوار داخلي ” لا ينتهي ، بحثاً عن ” أمل ما ”  للعيش و تجاوز هذا الموقف أو ذاك .
هو العمر تتخله ” لحظة ” كهذه ، بها تتدفق مشاعر و أحاسيس ، و تترابط خيوط بداخلك دونما سابق أنذار ، هنا تحملك الذاكرة لأبعد من مجلسك ، و تمضي ليلك و في مخيلتك يومض ألف نهار .
تصب فنجان لك ، و فنجان له ، و كلاكما يشرب من الصمت حيناً و من فنجانه احيانا .
هي روح أرسلت هذا ” الكعك ” و بقربه بعض من عاطفتها ، و مشاعرها ، و قطعة من قلب قد يكون مرهق و أتعبه أنتظار !
هل  ” أنت ” من يُعقد الأشياء و من يبسطها !؟
أم من يتحكم بك تكوينك الجيني ، و ما هو متوارث ، و ما هو مكتسب !؟
و هذا الشوق لأرواح تعيش معك ، غائبة عنك رغم حضور اجسادها و تمددها في الغرف المجاورة ، تجالسها و تحمل لها و لزمنك معها ” حنين ” ، كلما مضى العمر يزيد و لا تعرف من أين يأتي !؟
لحظة بها تخشى أن كل ماضيك الذي يسكن تفاصيل صغيرة يفنى .. أن تحيا مشرداً بلا جذور تربطك بوطن ما .. أن يصبح كل ما تحاول القيام به في حياتك ” لجوء ” للحياة نفسها .. و محاولة مستمرة للوجود في عالم ” أول ” من ضمن اهدافه أن يمحيك و يضطهدك و ينهيك .. !
هو ” الموت ” يدور في مناطق عديدة ، و في مناطق أخرى يدور المرض ، البرد ، و ايضاً ” الدفء ” النابع من تفاصيل عديدة ، صغيرة ، لكنها تؤثر و تغير .
هي ” الحياة ” ..
بكل ما بها من خير و من شر ، تسكن داخلك ، و تجعلك متخبطاً بين الأثنين حيناً ، و متردداً بينهما احيانا .
هي ” القرارات ” التي يجب أن تأتي .. قسراً  أو طواعية ..
هي الهزائم ، الانتصارات ، و ترتيب الأولويات …
هو ” كل ما هو زائل ” ، و كل ما هو ” آت ” ، و ” المتبقي ” لنا في هذه الحياة.
هي ” لحظة ” ..
بها يُختصر عمر .. و بها أنت تعاني من ” اختزال ” و  من ” شتات ” !

~ بواسطة يزيد في ديسمبر 12, 2015.

2 تعليقان to “هي لحظة”

  1. في لحظة ما سنكتشف أن العمر كلّه لحظات ، جميلة وقبيحة ، مُفرحة ومحزنة ، … ما مضى لن يعود وإن حفر آثاره في الذاكرة ، وماهو آت نجهله فلنستقبله بأمل ، ولنعش اللحظة بكل مافيها بلا قيود من خوف أو حزن أو حنين ، اللحظة فقط !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: