تركيا في معادلة الفوضى الخلاقة

turkey-ISIS

” شيء يجب أن لا ينسى بالنسبة للحالة التركية. تركيا مهمة في المعادلة الدولية تاريخيا وجيوسياسيا، شاءت ذلك أم أبت، لم يمنعها إسلامها من أن تكون عضوا فاعلا في الحلف الأطلسي. معبر لا يمكن تخطيه بين شرق ممزق لدرجة الموت، وغرب مأزوم يريد حلولا سريعة لأزماته الطارئة والبنيوية، لدرجة التعدي والحرب على الغير من أجل مصالحه الحيوية. تشكل الحرب الأيديولوجية في هذا السياق سلاحا فتاكا لتمرير الخطابات والأفعال الأكثر عدوانية. تركيا أيضا دولة ترتكز في الممارسة السياسية ونظام الدولة على إرث ديمقراطي وعلماني غير قليل، ولا يستهان به منذ مصطفى أتاتورك. هي جزء من حاضر يتغير بسرعة، يستثمر الخلافات العرقية والدينية والطائفية والإثنية لإنهاك الدولة وتلغيمها من الداخل، واستثمار التناقضات لمصلحة الأقوى حاضرا. هذا كله جعل تركيا في منأى عن مشكلات الدول الإسلامية الأخرى، على الرغم من استعصاء الحالة الكردية التي تشكل هاجسا كبيرا لسياستها ودفاعها، إذ أن أشد ما يخيف تركيا وجود دولة كردية ليس فقط على أراضيها، ولكن أيضا على الأراضي العراقية التي ستكون قاعدة خلفية للدولة الكردية الكبيرة. ما فعله صدام ضد الأكراد تعيد تركيا إنتاجه في ظل قانون دولي مصاب بخلل كبير لأنه لا ينطبق إلا على الضعيف. مواجهة الانتفاضات الكردية تشل تركيا اقتصاديا وسياسيا، فهي تبدو في عيون القانون الدولي المنفلت من القوى الدولية المهيمنة، دولة معتدية لأنها لا تعترف بحقوق الأقليات الثقافية واللغوية والعرقية. إضافة إلى هذا كله، تركيا، في ظل النظام الإسلاموي الإخواني، لعبت اللعبة الليبرالية اقتصاديا على أكمل وجه، مما سمح لها بالارتقاء عاليا بالاقتصاد الوطني الذي بدأ في الآونة الأخيرة يصاب بترهل كبير، وكساد واضح بعد فقدان العديد من الأسواق العربية والعالمية، بسبب الأوضاع الأمنية والضغوطات المتتالية.
تحولت تركيا في السنوات الأخيرة إلى ملاذ مضمون لاستقبال الهاربين من الحرب الأهلية السورية لدرجة أن تركيا التي استفادت من بعض المساعدات الغربية، وأصبحت تنادي بالمزيد لتحمل الإنفاق الذي جللته الوعود الأوروبية والأمريكية التي قليلا ما تنفذ عندما يتعلق الأمر بالمساعدات المالية. الأكبر من هذا كله، تركيا جزء في نظام الفوضى الخلاقة بحكم معرفتها للعالم العربي والإسلامي. فقد طالبت بفكرة توفير منطقة عازلة في عمق التراب السوري، وهي ليست إلا اعتداء مقنعا على أراضي الغير، مهما كانت المبررات والأسباب. كيف لبلد أسقط طائرة روسية فقط لأنها اخترقت مجاله الجوي، أن يقبل بالتعدي على أرضي الغير؟ ندرك طبعا أن تركيا التي تخاف من التواجد الكردي في شمالها تريد مساحة حامية لها تمنع نواة الدولة الكردية من أن تكبر لدرجة أن تصبح دولة. حتى معاداة تركيا اليوم لإسرائيل ليست أكثر من حرب مصلحية سيدها الخطاب والأيديولوجية وليست حربا وجودية، كما يفهما الفلسطيني أو العربي الذي سرقت أراضيه. حتى التقائها أيديولوجيا مع حماس في غزة، لم يدفع بها إلى الذهاب بعيدا في موقفها. لم تدافع حتى عن قتلاها في سفينة الحرية على الرغم من الشعارات التي رفعت وانسحاب طيب أردوغان أمام شيمون بيريس احتجاجا. إسرائيل تتمدد بقوة في الشرق الكبير، وهي المايسترو المطلق فيه، والمشرف على تنفيذه بحيث يضمن مصالحها وجوديا وأمنها ومصالح الدولة الأوروبية وأمريكا، ضمن علاقات سرية أو معلنة تحكمها البراغماتية. كل شيء يمر عبرها، بما في ذلك حروب النفط الحالية، وحرب الماء المقبلة. تركيا في النهاية داخل حلف غربي كبير، الأطلسي، العرب أول ضحاياه لا حبا في ذلك، ولكن لأن جزءا مهما من الطاقة العالمية هناك. لا يمكن إخراجها من هذه الدائرة الذي لا تأثير فيه لا للدين ولا للهوية ولكن المصلحة الحيوية، ولنا أن نتخيل لو كان الاختلاف جوهريا بين تركيا وإسرائيل؟ يضاف إلى ذلك، في العلاقات الدولية، تبحث تركيا الغربية قليلا، والشرقية كثيرا، عن مكان لها في الاتحاد الأوروبي. تريد أن تصبح طرفا له حقه وحضوره تجاريا بنشاطها الاقتصادي الكبير والزراعي أيضا. اتسعت كثيرا حقولها الصناعية وتبحث اليوم عن أسواق مضمونة.
إسلام تركيا لا يخيف، ولكن منافستها نعم لأن الأسواق المستهدفة هي نفسها أحيانا. تركيا التي كانت زبونا نفطيا مركزيا لسوريا، وروسيا مع نمو اقتصادها، أصبحت مشلولة، بل ومخنوقة مع الخلافات الروسية بعد الإسقاط الغبي للطائرة العسكرية. لم تبق الفتحات النفطية أمام تركيا إلا فتحة «داعش» التي يمكن أن تدخل معها في اتفاقيات سرية ينتفع بها الاثنان. صور الساتلايت تبين من أين تخرج السيارات الصهريج وأين تذهب وأي الطرق تسلكها في عودتها. يمكن للرادارات الغربية أن تحدد مواقعها وتضربها لكن ذلك لا يحدث. فعندما انهارت سورية الرسمية التي وصلت درجة التعامل معها قبل الحرب بقليل، إلى نزع الفيزا بين البلدين، والدخول في شراكة تجارية كبيرة وخطيرة في المنطقة. لو تمت على أحسن أوجهها، كان يمكن أن تهدد الكثير من البلدان المجاورة تجاريا وتفتح بابا جديدا في التعاملات في المنطقة. انكسار هذا التحالف سهل بداية فرض نظام جديد، إذ كان للشرق القادم المكون من العراق وسوريا والأردن وتركيا وغيرها، أن يشكل قوة جهوية متنافرة داخليا، لكن تجمعها المصلحة المشتركة العليا، وتبادل الخبرات داخليا لإعادة بناء العراق، وتطوير الشراكة الشرقية – الشرقية. الشرق الكبير وقتها بالمواصفات الأمريكية الإسرائيلية يصبح صعب التحقيق. ولأن تركيا في الحلف الأطلسي دخلت متأخرة إلى هذه الحلف غير المعلن. لم يبق في النهاية أمام تركيا إلا عقد تحالف نفطي انتحاري بينها وبين «داعش» الذي يوفر لها النفط الذي تحتاجه اقتصاديا بربع ثمنه، بل تحولت تركيا إلى ميناء غير معلن لصفقات تهريب نفط «داعش» وتسويقه عالميا. هل كانت ساتلايتات التحالفات العربية والغربية عمياء؟ من الصعب تصديق ذلك. حتى إسقاط الطائرة الروسية لا يخرج مطلقا عن هذه الدائرة. وليس صدفة بالخصوص، إذا صدق استهداف الطيران الروسي لمواقع التموين الاقتصادية لـ»داعش». «داعش» ليست قوة دولية بهذه الحصانة، أو علينا أن نعيد كل الحسابات في ما نعرفه عن القوة التدميرية لأمريكا وأوروبا. بهذا المنطق، ستصبح هذه الأخيرة مجرد نمر من ورق، فشل بكل صواريخه وأسلحته حتى الفتاكة منها، في دحر مجموعة إرهابية، شديدة التخلف الذهني. كيف لـ8000 آلاف غارة أمريكية وحدها، بلسان الرئيس الأمريكي أوباما، من دون حساب الغارات الأوروبية والعربية، أن لا تصيب «داعش» في مقتل؟ العداوة ضد النظام السوري، أو التعاطف مع ضحايا الحرب الأهلية وضحايا الإرهاب من السوريين، لا يكفي أبدا لتوضيح مصدر هذه القوة الداعشية التي هولت حتى أصبحت قوتها الوهمية حقيقة ذهنية على الأقل. لهذا، لا يمكن فهم المعادلة التركية في ظل الفوضى الخلاقة وفرض الشرق الكبير أو الجديد، إلا بأخذ هذه العناصر بعين الاعتبار. طرح معضلة «داعش» اليوم يحتاج من الدول الغربية ليس فقط إلى إشراك سوريا الرسمية والمعارضة، في هذه الحرب، ولكن أيضا الطلب من تركيا ومن شركاتها السرية التي تحتل البحار، ومن بعض الدول العربية الممولة لها، توضيح علاقاتها بـ»داعش» وإلا ستكون حرب اللاحرب، أي الحرب الخاسرة في مواجهة قتلة لم ينبتوا من الفراغ، مثلهم مثل «القاعدة» ممولهم معروف، ومدربهم على الحرب والأسلحة الفتاكة لم يعد سرا اليوم.”*

——————-

* مقال بقلم واسيني الأعرج نشر في ” القدس العربي ” بتاريخ الاول من ديسمبر ٢٠١٥ ميلاديه ، و الصورة المصاحبة من هذا الموقع .

~ بواسطة يزيد في ديسمبر 15, 2015.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: