رفقة العمر و الطريق

21dec2015aa

لا أدري لم حين شاهدت هاتين الصورتين* أثرن بي أيما تأثير !!
ربما لكوني أملك صور مثلها ، أدرك معنى الأمتداد الأنساني  و وفق تجارب مشابهة عشتها ، تجعلني أستوعب جيداً ما معنى أن يكرمنا الله ببشر في حياتنا ، تمر السنين و يبقون ، و بوجودهم قد تستقر الحياة !
عيونهم راقبتنا و نحن نكبر ، و راقبنا كيف كانوا معنا ، لذا نثق بهم ، و نشعر بأن بقائهم في عمرنا يجعله يمضي بشكل أكثر ثباتاً و بصورة مشرقة ، بها تصبح الأيام أكثر جمالاً .
وجوه حين نراها قد نرى أقرب الناس لنا ، نلمح عيون أهالينا الذين مضوا ، و وجوههم التي كانت تطمئن لوجود هذا الشخص في حياتنا أو ذاك ، لكونه ثقة ، و صمام أمان ، و قبل كل هذا ” أنسان ” ، يحمل من الوفاء كثيره ، و من الأحساس نبيله ، و يدرك من نحن جيداً ، و يعرف كيفية التعامل معنا ، لكوننا كبرنا أمام عينه ، و عشنا بين يديه عشرات الأعوام .
هي الحياة تمضي و في الزحام ، قد تجرف معها أناس لم نتصور رحيلهم ، و تأتي بآخرين سرعان ما يبتعدوا حين نعتاد عليهم ، تلعب شتى العابها معنا ، لكن ما يجعلنا نتصالح معها و نتغاضى عن اشياء كثيره ، هي تلك العلاقات القليلة التي بها نأنس و نعيش و نكون .
بعد مرور عمر و حين نتأمل هذه الصور ، نشعر بأنها بليغة ، و بنظرة واحدة لها ندرك أنها رغم صمتها قادرة على أن تقول الكثير ، و تعبر عن تفاصيل عديدة ، و تحكي عن ” حكاية عمر ” .
صور تأخذك لشئ أبعد من المشهد ، و تحمل في طياتها أيام قريبة و ذكريات بعيده ، تشعر بأنها قد تبدو للبعض عادية لكنها لديك ” بعضك ” و لها قدسية ، خلال تأملها تعبر أمام عيناك حكايا ، أمور خاصة لا تعلن ، و أسرار لا تنشر أو تقال ، لكونها أمور رغم ” عدم القرابة ” تظل عائلية ، تدور داخل دائرتك الضيقة ، تلك المساحة التي بها نكون على راحتنا و كأننا مع أنفسنا ، نتحرك بتلقائية ، و كأننا ما زلنا أطفال الأمس ، ننطلق أمام عيون نثق بها ، و نثق بأنها لن تُحمل أبسط تصرفاتنا ما لا يحتمل ، عيون ترانا بأحساسها ، و تعي من نحن ، تقرأنا بشكل صحيح و وفق ” معرفة عيمقة سابقة ” لا كما يقرأنا العابرين من الناس و الغرباء .
صور تجمعنا بروح تشبه ” أثر ” مميز ، كان و لم يزل باقياً في أرض عمرنا ، تمر عليه الأجيال ، جيل بعد آخر ، تتغير الأشياء من حوله ، و يبقى كما هو و كما عرفناه ، انسان كالذهب ، كالسماء ، كالبحر ، كالأرض و كافة الاشياء الغالية التي تعطي بصمت و دونما ضجيج .
أسماء لا تعني للرأي العام شئ ، لكنها لمجموعة صغيرة من الناس قد تعد أهم شئ ، قد لا يعي وجودهم الكثيرين ، لكننا نشعر بأنفاسهم و نطمئن لوجودها .
بشر هم أقرب لنا من ظلنا ، و في الظل هم أقرب الناس لنا ، في المرض ،  في الصحة ، في المناسبات الحلوة و في الأحزان دائماً هم “هنا” ، في مجال العلاقات الأنسانية نحيا معهم تجربة خاصة ، من خلالها قد نصل – و دونما تخطيط – لمستويات استثنائيه لن تتكر و لن يجود الزمن بمثلها .
قلوب معها نتحول و نكبر و تتغير أدوارنا ، فنصبح بعد مرور العمر كأهالينا ، و يصبحون هم في حياة ابنائنا كما كانوا في حياتنا ، عين حارسة و رفقة في العمر و في الطريق .
هم هبات يوزعها الله على عباده ، و نعمة يجمعنا بها القدر ، و هي العلاقات الاستثنائية التي نعيشها و لا نعرف كيف نصفها أو نصنفها ، إرتباط غير ملزم و عميق و يتجاوز اي قالب كان به ، صلة ننأى بها عن كل ما هو رخيص و قد نشعر بأن في حديثنا عنها قد نبتذلها و لن نوفيها حقها ، لذا نعيشها طوال عمر كامل و دون أن نصفها لأحد أو نحكيها ، فهي كالشمس دافئة ، واضحة ، مشرقة ، و وجود الشمس عن أي شرح يغنيها .
هي أسماء عبرت ذاكرتي ، و إن كتبتها لن تعرفوها ، بعضها أنمحى من الشفاه ، غادر الحياة ، لكنه بقي نابضاً في أعماق روحي ، و اذكره بحب في تفاصيل صغيرة ، و عبر ممارسات يومية “عابرة” قد أقوم بها ، كيفية أعداد الشاي الصباحي بالحليب ، تقيمي لبعض الأمور ، و ربما الطريقة الأسهل التي أجفف بها ظهري !
لكل تلك الأرواح التي منحت دونما أنتظار ، و منحها الله من خلالنا الكثير ، دون أن تطلب و دون أن نقرر، أهدي هذه السطور التي بها أحاول أن أفسر و أعبر ، و بي يقين أن السنين التي مضت كانت كافية و أبلغ من أي كلام ، لتلك الأرواح شكر عميق ، و في الصمت أقرئها السلام .

21dec2015bb
ــــــــــــ
* الصور ة الأخيرة تجمع شريهان مع مدير أعمالها جمال أنور و تهديه بها وردة ، و الأولى تجمعه بأبنتها في لقطة ” سيلفي ” عفوية.

~ بواسطة يزيد في ديسمبر 21, 2015.

2 تعليقان to “رفقة العمر و الطريق”

  1. وأنا أقرأ، تخيلت لو أن الكاميرا لم تخترع حتى هذه اللحظة! لو اعتمدنا كلياً على ذاكرتنا التي تحمل صور هؤلاء الأشخاص الحلوين ومشاعرنا تجاههم.. ماعلينا.

    الذين تكلمت عنهم، هم نعمة من النعم الذي نشعر بها مع مرور الوقت، مع المواقف، مع ردود أفعالهم ومبادراتهم. أعتقد أن علينا آن نرتدي أثرهم الطيب وأن لا يخبأ في صندوق سري، نرتدي الأثر ورداً وطيباً.

    انحناءة رقبة شريهان، الوردة٬ وقفة جمال الطفولية٬ الشموع.. المشهد كله رائع.

    أسعد الله أوقاتك مع من تحب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: