شكراً بعمق الطفولة

31jun2016ffdfdfdf

صديقة الطفولة فيروز الصغيرة …
تحية من عالم الأحياء ترافقك الى عالم سنمضي له جميعاً ذات يوم .
مضى العمر و لم أشكرك على تلك المقولة الصغيرة العابرة في فيلم لك .
مقولة ظلت باقية في رأسي عمر كامل ، قد أطبقها حيناً و أنساها احياناً ، و في أحيان اخرى أتكاسل ، لشعوري أنها قيلت في زمن لا يشبه زمننا ، فعالمنا اليوم ملئ  بالبشر المتجردين من كافة مقومات الأنسانية !
هي عبارة لم أدقق بها في ذلك العمر الصغير ، لكن أمي أستقطبت أهتمامي لها حين أهتمت بك ، فبعد أن تلفظتِ بها ، أبدت أمامي أعجابها بك و بحسن طبيعتك و ذكائك الفطري ، لكونك أدركت أحد حقائق الحياة مبكراً ، و عبرت ِعن حقيقة يتجاهلها بعض كبار السن رغم معرفتهم بها ، و ترديدهم لها ، إما لطمعهم حيناً أو لضعفهم أحياناً ، قالت والدتي كل هذا و أكثر ، عبر أسلوب بسيط كي أفهمه ، و لم تكن طوال الحديث تحدثني ، بل كانت أقرب لمن يحدث نفسه و يفكر بصوت عالي ، كنت أسمع العبارات و أتلفت و أفكر ، و هي كانت تود أن تؤثر بي ، تسلط الضوء على نقطة هامة ، دون أن تقترب مني أو تعظني بشكل مباشر ، استمرت بفعل ما كانت تقوم به اثناء حديثها ، تشاهدك و تزين وجهها بابتسامة راضية عنك و نظرة اعجاب ، مرددة “ماشالله عليها” ، و كل ما كنت أفعله حينها أرفع حواجبي و اتأملك دون أن أستطيع تحديد شعوري اتجاهك حينها ، حين كبرت أدركت بأنها فعلت كل ذلك لتوضح لي قيمة مهمة و تدفعني اليها من خلالك .
في هذا الفيلم مثلتي دور فتاة مدللة ، يتيمه ، و ثرية للغاية ، تعرفت عن طريق المصادفة بفتى صغير ، مكافح ، يساعد عائلته المتواضعة و يساهم في مصروف البيت ، من خلاله سمعتِ هذه العبارة ثم عدتِ لترديدها في آخر الفيلم ، و لفرط أحساسك بها ترجمتي شعورك لسلوك ، فأنشئت دار كبيرة ، تجمعين بها الأطفال الأيتام و الشيوخ ، رغبة منكِ في منحهم فرصة أفضل و حياة أجمل ، و طمعاً في استثمار بعض ما تمكلينه من الخير الوفير في عمل يدوم لك في دار الدنيا و الآخرة .
بقيت هذه العبارة ” ما أستحق أن يولد من عاش لنفسه فقط ” بداخلي ، و استمرت معي لعمر كامل ، مضيئة كنجمة ، اثيرة كذكرى ، حقيقية كموتك !
بمضي العمر تمنيت أن أجد أعمالك من جديد ، مطبوعة بصوت أفضل و جودة أعلى ، يتخللها لقاء أو حديث معك ، به تسردين ذكرياتك حول هذا الفيلم أو ذاك ، توثقين فترة زمنية بصوتك و وجودك ، لكن الأمر بقي مجرد أمنية كباقي الأمنيات ، التي قد ترحل الاشياء و تنتهي دون أن تحدث أو تكون .
اليوم بعد رحيلك أضيف هذا المشهد و تلك العبارة ، متذكراً كافة التفاصيل ، ادائك ، صوت أمي ، الأحساس بالغيرة الطفولية ،  فمن هذه الفتاة التي أحبتها أمي ؟ و رضيت عنها و استلطفتها و أعجبت بها !!؟
هي أنت يا فيروز ..
يا صديقة الطفولة التي لم تراني و شاهدتها مراراً ..
يا من على الشاشة تفتحت كزهرة “ياسمين”، و أعمالها ظلت بعد اعتزالها المبكر باقية .. تورثها الأجيال التي شاهدتها لأبنائها و كأنها ” ذهب ” .
قد كنت في حياتي بطاقة حب أخذتني لزمن الأبيض و الأسود في عصر الألوان ، بوابة بهجة ، لحظة فرح ، جوقة ألحان .
أشكرك بعمق الطفولة ، و برائتها ، على رفقة حدثت في عمر مبكر ، و وقت ممتع عشته معك ذات زمان .
في ذاكرتي كنتي و ستظلي ، تلك الطفلة المبتسمة التي عرفت ، رغم مرور العمر و الفراق و الأحزان ، تلك الصغيرة التي أشاهد عبر وجهها الطفولي انعكاس وجهي و وجوه أغلب أطفال جيلي ممن رافقوني ، و كبروا و شاخوا في وقت سريع ، و في غفلة من عمر الزمان .
في النهاية .. لا بد من وجود نهاية .. فوداعاً يا .. ” فيروز هانم ” .

~ بواسطة يزيد في يناير 31, 2016.

2 تعليقان to “شكراً بعمق الطفولة”

  1. تدوينة رائعة و مدونة اروع
    في إنتظار كل ما هو جديد
    شكرا لك
    موفق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: