مواقف صغيرة
هي مواقف لا تستغرق من عمر الزمن الكثير ، بها الكلام مهما طال قليل ، تمر بها بأحداث قد لا يراها الأغلبية ، و تردد لنفسك ” سوف تمر و تصبح نسياناً منسيا ” ، لكنها تظل و تبقى في ذاكرتك كوشم ، تختبئ ثقيلة في اعماقك ، تعكر صفو روحك ، تسرقك من بعض ما يحيطك ، تشتت تفكيرك لكونها كانت قادرة على أن تفاجئك ، فمن خلالها عرفت جزء جديد من ذاتك ، جزء لم تحبه ، بمجرد أن تفاعلت معه و استجبت له … سبب لك أذية !
هو الوقت ما تراهن عليه للنسيان، فتمضي بك الثواني و الدقائق و الساعات ، الأيام و الاسابيع و الشهور ، و أنت كما أنت ، متعلقاً ببعض ما كان ، خائفاً مما قد يأتي ، لكونك لم تعي الموقف رغم وجودك به ، و لم تفهم ما يدور رغم تخطيطك له ، هي زوبعة تعصف بك من الداخل ، و لا يرى لها الآخرين ادنى أثر ، تردد لتخفف من مصابك ” أنا خطاء .. أنا انسان .. أنا بشر ” ، لكنك لا تستطيع أن تتفاعل مع هذه الكلمات رغم مصداقيتها ، لكونك من حفرت للميت قبره و قبل أن يموت ، و رتبت بأحكام كيف تتخلص منه بعد قتله !
لم يكن خطأ ، لم تكن مصادفة ، كانت بذرة شعور ، تركتها تنمو دون تهذيب ، تتسلق بعشوائية قامتك ، تخفيك و تخفي قيمك التي تعرف ، تغطي عيناك ، فلا ترى الآخر ، لا تفهم ظروفه ، لا ترى من يحيطه ، لا ترى شئ سوى رغبتك المشتعلة كسراج يأخذك لطريق معتم ، تدرك في نهايته أنك ستحصل على ما أردته و قد تخسر بعض انسانيتك و أكثر ما تحب في نفسك .
هي نشوة الاحساس بالسيطرة و وهم القوة ، نرجسية متلهفة لأنعكاس الصورة ، ولع للشعور بوجودك و لو عبر مشهد هزيل ، هي مواقف قد تبدو صغيرة .. عابرة .. لكنها ليست كذلك !
+ اللوحة المرفقة بريشة الفنان المصري ( عادل ثابت ) نشرت في مجلة الهلال عام ١٩٨٧ ميلاديه ، مسحتها ضوئياً و اضفتها هنا .