مشهد شبه عادي

30apr2016ggg

المتبقي من مرحلة الدراسة الابتدائية ، تفاصيل صغيرة و ذكريات كثيرة ، و شخص يشبهني في المرآة ، بت أختفي داخل جسده ، و انظر للكون من خلال تجويف عيناه بعيناي التي لم تتبدل كثيراً ، و ألمح ذات النظرة ، لكني لا اقوى على كسر أضلعه للخروج أو الهروب أو الرحيل ، فعبر رئته اتنفس ، و بدقات قلبه المتعب أعيش .
التجارب التي ذهب لها عنوة ، أو التي قادتها له الاقدار ، دونما تفكير و احيانا بأختيار ، غيرت منه فتغيرت معه ، عبر نموه تبدلت ملامحي ، كبرت أناملي الصغيرة ، و ثقلت روحي فلم أعد اسابق الريح و أعدو دونما أسباب ، و بات كل شئ أكثر تعقيداً ، فالمفترض أن كل شئ يمر عبر بوتقة التفكير و يحسب له ألف حساب .
مع هذا قد اندفع او أدفع هذا الجسد لذلك ، و ربما ما كان به من غرائز يحركه بشكل لا يخلو من اضطراب بادي و ينعكس على سلوكي و تفكيري و تفاصيل حياتي ، ما كان فطري منها أو مكتسب ، فهي أفعال أجد في بعضها ما يقربني لذاتي و يحقق رغباتي و ربما ما يبعدني عن حدود اللياقة و الأدب .
ما دفعني لذلك هو ” اللغة ” ، تلك الحروف التي تعلمت كيف أرصها لتعطي من يقرأها معاني ، و تعبر عني و تؤدي المهام المطلوبة منها طوال مرحلة تعليميه ، بها كنت أحاول أن أثبت بأني أفهم ما أتلقاه و أعيد اخراجه على الدفاتر بعد أن أعيده و أكرره و أذاكره ، و قد تعلمت أن ” آفة العلم النسيان ” ، و أغلب ما تعلمته في الرياضيات و الفيزياء و الكمياء اليوم غادرني ، و ما فهمته من كتب التاريخ مضى مع الأيام و السنين ، و بت مع هذا الشخص الذي ينمو أتعلم اشياء جديده ، و انسى بعض ما حاول مجتمعي أن يغرسه بداخلي ، للحد الذي بت به أستخدم هذه ” اللغة ” في أمور لم أكن أتخيل إني قد استخدمها بها ، كما أن المجتمع بكل أجهزته و أفراده باتوا مثلي ، قد يرصون الأكاذيب في سطور على صحف يومية أو رسائل هاتفية ، يرسمون هذا المجتمع أو ذاك بصورة ترضيهم و ترضي أجندة سياسية أو أنطباع ، في البدء كانت هذه الأمور تتم بهدوء و على استحياء ، و مع مرور العمر سقطت كل الضوابط و تداعت الأشياء ، و بات الكاذب لا يرتبك أو يستحي لأحساسه بأن المستمع لن يفعل شيئا و لن يقول شيئا بل ربما شاركه في نقل أكاذيبه مهللاً و مضيفاً لها، و الكاذب أحياناً يكذب لأجل أن يبرر لذاته او لمن هو راغب مثله أن يريح ضميره و للدقه يسكته بتفسيرات لا تقارب الواقع بشئ ، مع الوقت بت كذلك و دون أن أكتب على ورق أو اتحدث مع انسان ، فقط أعيش داخل هذا الجسد الذي أصارعه منذ زمان ، و أتحدث مع اصوات داخليه عديدة و دون أن أفتح شفتي و بصمت امارس الهذيان .
الليلة و هربا من هذه الاصوات نهضت لترتيب بعض الأشياء ، و تأثرت حين وجدت بعض أقلامي القديمة في تلك المرحلة الدراسية المبكرة ، نائمة و غافلة عما حدث و يحدث ، ممحاة ألمانية تبدل شعارها مرتين ، و مبراة لها سطح دائري تسكنه مرآة ، عبرهم و معهم قطعت مرحلة من عمري كنت بها أقرب لنفسي التي ابتعد عنها الآن رغم التصاقنا و ملازمتي لها ليل نهار .
هذه الأشياء العزيزة إلى نفسي ابتاعتها لي والدتي ، كعادتها مع بداية كل فصل دارسي ، و للدقة اقلام الرصاص الصفراء و باقي الأشياء كانوا من اختيارها ، عادا المرسم الأزرق الذي تزين رأسه ممحاة كبيرة ، فقد اخترته رغبة مني في تقليد الطلبة الآخرين الذين يحملونه ، ربما بدافع الغيرة أو المشاركة الوجدانية أو حب التملك ، صدقا لا ادري ، فكل ما اعرفه أن النفس التي بداخلي رغبت بذلك و استجبت لها ، و بدافع هذه الاستجابات المبكرة تعرفت عليها ، و أدركت سطوتها علي روحي و جسدي بكافة ما فيه ، و كلما كبرت انزعجت لكوني أشعر بأنها تأخذني لمنحنيات لا أرغب في السير بها ، و تفسر بعض الأمور بطريقة تزعجني .
ضممت هذه الذكريات البادية أمامي ، و جعلتها تستلقي على ماسح ضوئي ، اضاء لبرهة قصيرة ، بها تدفقت الصور بداخلي و عبرت ذاكرتي وجوه ، بعض من علموني و بعض من خذلوني ، وجه أمي ، و وجوه من كانوا أصدقاء .
لقد رغبت أن أحتفظ بهذه الأدوات المدرسية التي شاركتني تعلم ” اللغة ” و الحياة لفترة من الحياة في ” مشهد واحد ” من خلاله و به قد أختزل جزء من عمري و من حياتي في مشهد مكرر و مشترك و شبه عادي .

~ بواسطة يزيد في أبريل 30, 2016.

6 تعليقات to “مشهد شبه عادي”

  1. وصفته ( بمشهد شبه عادي ) لكن تبعاته وما أثاره من دعوة عميقة ومُلحة للتأمل و استعراض هذا الكم من الشعور و الأفكار و الأحداث .. لم يكن عادي .

  2. المسألة متشابكة عندي، فكرة اللغة والحرف من الرمز للمعنى، رحلة أحبها، أحب أن أخوضها وأن أقرأ عنها، هذا جزء من المسألة، جزء آخر يتعلق تماماً بما ذكرته عن القلم الأزرق ذاك ذو الممحاة المضلعة، وذكرياتي معه لا تنتهي، بالذات عندما أراه لدى الآخرين، كان نوعاً من أقلام الرصاص المهجنة، الأصفر والأسود هو الأصل، الممحاة وعلامة السعر من الشقري لها أبعاد أخرى أيضا لنفس المسألة، شدني الحديث وشدتني فكرة أن أعلق وشكراً للفرصة.

  3. كان عندي تعليق طويل ولكن يبدو انني اختنقت بالكلام😢

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: