في مرحلة مضطربة

12nov2016ii

قد نكون وفق الطبيعة نعيش تحت جلودنا ، و لكننا مشتتون بكل ما هو حولنا ، اضطراب عالميّ ينعكس في أعماقنا، و كأننا مرآة مقعرة ، نهرب من الازدحام الداخلي و الخارجي لازدحام آخر ، يعكس اضطرابنا و يوضحه أي  وضوح !
نتحدث في موضوعات لا تعنينا ، نضحك على أشياء لا تضحكنا ، نحاول أن نستحضر نموذجا إيجابيا و لكنه يظهر بشكل فاشل ، و مع هذا نستمر ، و نحاول أن نتحدث عن ” الطاقة الإيجابية ” و النظر فقط للجزء الممتلئ من الكأس و أحاديث عديدة تصب في ذات القالب الذي نسمع أصواتنا و هي تتكلم عنه و بداخلنا ألف شئ لا يصدق صوتنا و يعرينا !
غير مقنع أن تحاول إقناع الآخرين بأمر لديك شكوك فيه ، و محاولة الهروب من شعور يمتطيك تظل دوما محاولة ، طالما أن اللجام ليس بيدك ، تدرك أن الشعور إن مضى سيخلفه ألف شعور ، و أن الصحراء الممتدة الشاسعة أمامك لا تخلو من  الألغام المخفية ، تعلم أن ” الحرية ” وفق الصورة التي أمامك أمر موجود ، لكنك موقن أيضا أن الأمور ليست كما تبدو دائما !
تقف و ترقب ظلك و هو يتحرك حولك خلال ساعات النهار ، و في الليل تقف كجدار يضربه البرد ، لا تتحرك شبرا واحد ، تتململ أثناء الوقوف و كأنك تسخن قدميك قبل الانطلاق ، و بعد كثر الحركة تعود للجلوس في مكانك ، تثني ركبتيك و تلتصق بالارض كأي شجرة ميتة جذورها لم تزل ممتدة في التربة و لا تشعر برطوبة الماء الذي شربه الطين .
الإحساس مفقود كبطاقة هوية اختفت للتو ، و مضى معها وجهك الذي ابتسم أثناء التصوير ، اختفت تلك الابتسامة التي كان يملؤها في ذاك العمر الحماس ، و الثقة بأنك قادر على التغيير ، و بأنك تنتمي لأحد التروس الهامة التي ستضيف لهذا المجتمع ، أنت و جيل كامل تربيت معه ، شربتم هذه الفكرة حتى الثمالة و عبر كؤوس متعدده .
التلفاز كان يسقيك عبر برامج تحكي عن تنمية قادمة و تغزل بينك و بين إخوتك في الدول المجاورة “ذاكرة مشتركة” ، الصحف تحكي عن اتحادات سوف تتكون ، و أنت الصغير الذي أدرك مبكراً و عبر الرسوم المتحركة  وبصوت لميس و كمال في الرجل الحديدي بأن ” في الاتحاد قوة ” ، تكبر و كلما مرت الأعوام تخسر بعض أصدقائك ، و بعض من تحب ، و بعض ذاتك ، حتى “الأحلام المشتركة” التي حملها رحم الغد تُجهض ، و ترى عوضا عن ذلك حروبا تشتعل بينك و بين أطفال في أقطار مجاورة تربوا معك و كبروا !
تصبح جزءا من حرب لم تبدأها ، و لم تختارها ، و يجب أن تختار أرض تنتمي لها ، و جماعة تعيش معها ، تقترب أكثر لكي تعرف ، فتدرك بشاعة المشهد ، و يفاجؤك حجم عقول بعض الكبار الذين بهروك ذات يوم ، تدرك كم هي صغيرة ، و أرواحهم قادرة على الاشتعال لأجل قضايا قد لا تكون ذات أولويه ، و ربما أشعلوا الفتيل  لأجل أرباح شخصيّة بحتة ، ترى بعضهم ممن عرفته صغيراً و قد ولد بجيوب ممتلئة ، كبر و المال لم يزل يثقل جيوبه ، لكنه مع هذا لا يكف عن السرقة حتى باتت طبعا فيه ، داخل صدره خوف كبير من الغد ، و عوضا عن أن يخطط لوطنه و يرسم مستقبل أفضل ، انفصل بذاته و شيد قارب نجاة له وحده ، تُفهمك الأيام بأن أحيانا من نعطيه الأمان ، نجده قد باع نفسه و باعنا و باع وطنه بالرخيص ، و بسهولة سقط و خان ، و ذلك لأجل انتماء آخر أو فكر مختلف .
تلاحظ أنك سمكة صغيرة جدا في نهر كبير يركض و يجرفك كأي قطعة حجر في طريقه ، تمضي و كلما حاولت السباحة ضد التيار تفكر إلى أين سوف أمضي ، فالماء يجري بهذا الاتجاه ، و ربما انتظرني هناك جفاف آخر ، تجد الأسماك الآخرى تدفعك لتسير مع التيار فتستسلم ، لا ضعفا بل خوفا ، و هو ليس خوف منهم أو من النهر ، بل خوف من معتقداتك و تفكيرك ، لقد صُدمت بذاتك ، و بكل نبيل اعتنقته في عمر مبكر و حاربت من أجله ، تستشف أن الحياة في هذا النهر اللاهث تتجاوز كل ما عرفته ، لذا بات لديك شكوك حتى في إحساسك و يقينك !
نحاول أن نهرب عبر مطالعة ما لا يفيدنا ، و الاندماج فيما كنا نرفضه و تقبله ، قد نتحدث عما يحدث في النهر الآخر ، في الضفة الاخرى ، عن الكائنات التي تطير ، و ربما أخرجنا بعض غضبنا على بعضنا البعض ،  نسترسل في موضوعات لا تعنينا ، و ربما عدنا للضحك على أشياء لا تضحكنا ، و في عز الاختناق نظل نحاول ، نتذكر أمر إيجابي ، لكنه لا يضيئ في هذا العتم ،  و نستمر في التشدق بالكلام عن ” الطاقة الإيجابيه ” ثم نصرخ بضيق ” انظر فقط للجزء الممتلئ من الكأس ” ،  و نعلم أثناء صمتنا أنها أحاديث عديدة ، تصب في ذات القالب ، نسمع اصواتنا و هي تحكي ، و بداخلنا الف شئ لم يعد يصدق صوتنا ، و شئ آخر “بارد كما الجليد” ، ينمو كالصقيع بداخلنا و يدفعنا لعدم الاهتمام بأنفسنا ، ايامنا ، و كافة ما يدور حولنا ، فقط نقطن تحت بشرتنا و نتحدث كي نخفي اصواتنا و بعض اضطرابنا الشديد الوضوح ، و نحيا في انتظار القادم أو موتنا !

~ بواسطة يزيد في نوفمبر 13, 2016.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: