الفاتورة رقم واحد

في مساء البارحة وصلتني الطلبية التي طلبت من متجر ” تي . كوزمتك” ، و لهذا الطلبية قصة و لهذا المتجر حكايات قد تعود للطفولة و حلم تحقق ذات مساء !
تبدأ القصة مع طفلتين في الروضة ، نوف و ساره و صداقة نمت عبر احتكاك يومي و من خلال مراحل عمرية متفرقة ، بعضها اضاف لهم و بعضها أخذ منهم ، في حياة صقلتهم و اضافت لتجربتهم و ربما ابعدتهم لدروب متفرقة بعد التخرج ، فالاولى اتبعت موهبتها و مضت لتعلم التصميم و الفنون و الثانية مضت للعلم و بحاره و قررت دراسة الصيدلة و من ثم استخدام ما تعلمته في مجلات اخرى .
الاولى من السعودية و الثانية من لبنان و الاثنتان منذ الطفولة و حتى الان تعيشان في منطقة وسط خاصة بهما ، و حين يجتمعان تسقط كل الخرائط من اذهانهم و يحلقون حول العالم و هم في اماكنهم ، رغم الاختلاف البادي في طباعهم لكن الانسجام قائم ، و القبول عالي ، فالاولى تنجذب لجدية الثانية و اخلاصها في كل ما تقوم به ، و الثانية ترى في مرح الاولى و انطلاقها و تعليقاتها شئ جميل تحبه و يدخل الى روحها السعادة .
نوف هي الصغيرة التي أعرف ، كبرت و ظلت في عيني تلك الطفلة التي تحاول دائما ، و مهما تعثرت لا أخاف عليها ليقيني بأنها قادرة على الوقوف مرة اخرى ، فهي تؤمن بأن كل يوم جديد فرصة جديدة للمحاولة ، و ترى أن النجاح لن يأتي فجأة ، كما تشعر بأنها تنسجم مع المحاولات اكثر و لا تخيفها كالنجاح المباغت الذي يتبعه لفت نظر.
عرفتها صبية تعيش ايامها و هي تسعى أن تضيف لذاتها بقدر ما تستطيع ، بدء من اغنية بسيطة قد تسعدها و تلهمها و تمنحها الكثير ، الى فكرة قد تؤمن بها و تسعى لتحقيقها بهدوء داخلي يغلفه رغم كثرة حديثها صمت كبير !
كان هذا المشروع احد الأفكار التي تحمست لها و تجاوبت معها تلقائيا لشعورها بأنها قد تضيف لذاتها من خلاله و تعطي الكثير ، بدأت الفكرة حين عادت ساره من لبنان الى الرياض لتستقر ، بعد تخرجها من الجامعة الامريكيه و قيامها بالمشروع منفرده هناك بعد ان تلقت دروس عديدة عن المواد “العضوية” و المستحضرة من الطبيعة دونما اضافات ، و كيفية مزجها بعناية فائقة وفق تراكيب مدروسة ، و اعداد ذلك بحذر شديد و بملابس خاصة لهذا، في تلك الفترة اعدت مستحضر وحيد و بدأت في بيعه بالصيدلة التي كانت تعمل بها في بيروت .
عند العودة – و مثل اي صديقات حقيقيات – طلبت من نوف و بكل اريحية ان تساعدها في التصميم و التخطيط و عمل العلامة التجارية للمنتج الذي تفكر به و ترغب في ادراجه في مشروع مستقل و خاص بها ، مع الوقت و عبر الاندماج بالتفاصيل و قعت نوف بحب الفكرة و رغبت أن تكون جزء من هذا المشروع الذي شعرت بأنه قادر على ان يكون أكثر من منتج واحد لذا اقترحت أن تستثمر مع صديقتها النصف بالنصف ، ان ربحوا ربحوا معاً و ان لم تنجح التجربة ستشاركها الخسارة ، قررت هذا لفرط ايمانها بهذه الانسانة و لأحساسها بأن الفكرة منطقيا بسيطة و قابلة للتنفيذ لا سيما و أن مثل هذه المنتجات العضوية في العالم العربي قليلة و ان وجدت يتم بيعها بمبالغ مرتفعة لا لكون المادة الخام غالية فحسب ، بل لأن جزء كبير من المبلغ يذهب الى اسم هذه الشركة او تلك ، لذا قاموا بالتواصل مع الاماكن الموردة للزيوت العطرية و المواد الخام في فرنسا و اتفقوا معهم على التوريد و عبر اسعار منطقية و من ثم التخطيط لاعداد كافة التفاصيل يدويا و لكل عميل ، بدء من اختيار الزجاجات التي سعوا الى ان تكون بسيطة و جودتها عاليه ، و من ثم التصاميم التي رغبوا في ان تبتعد عن البهرجة و تعكس طبيعة المنتج الذي يتم تركيبه يدويا و بعناية تامة و بشكل مستقل لكل واحد منها .
كنت استمع لتلك الصبية التي تتحدث عن مشروعها أمامي اليوم و اتذكر صدقها مع ذاتها و كيف انسحبت سريعا من طرق رسمت لها لشعورها بأنها لم تكن ابدا لها، فغيرت مسارها في الدراسة سريعا و تركت مجال “القانون” و ” الموارد البشرية ” رغبة في ان تكون اكثر صدقا مع نفسها و تحيا في مجال يتلائم مع تركيبتها و ينسجم مع تكوينها و من خلاله تثبت وجودها بالشكل الذي رغبت به في هذه الحياة .
ابتسمت لها و اخبرتها بأني أرغب في ان اشتري منهم و قبل بدء المشروع ، و كانت في كل مرة تطلب مني الانتظار حتي يتم اختبار هذا المنتج او ذاك و اضافة تعديل ما هنا أو هناك ، و اليوم نجحت هي و رفيقة دربها في تحقيق أمر ربما لم يخططوا له بالشكل الذي بات موجود عليه الآن ، رغم انهم من فكر و صمم و زاد و اضاف ، اقول هذا لاحساسي بأن الارواح الخيرة يدلها الله على طريقها و يأخذها الى رزقها في الصداقة او التجارب او العمل او ما كان و بشكل قد يفوق سعينا و تصورنا في بعض الاحيان .
ختاما اشكر ساره و نوف على موافتي بالطلبية التي طلبت لي و لمجموعة من اصدقائي الذين احب ، و كم سعدت حين قرأت بأن فاتورتي هي الفاتورة رقم “واحد” في هذا المشروع الذي بت زبونه الأول دونما تخطيط مني او انتباه منهم !

~ بواسطة يزيد في مارس 22, 2017.

2 تعليقان to “الفاتورة رقم واحد”

  1. ياجمالهم!
    تمنياتي بالتوفيق لمشروعهم وصداقتهم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: