بَشَرات

18may2017a

فيلم اسباني شاهدته و شعرت بأني في مثابة حلم ، ليس بالضرورة ان يكون حلم جميل ، لكن الغرائبية المسيطرة على مناخه ، و الولوج في حياة شخصيات هامشية عديدة ، و طرح الافكار من خلال هذه القوالب المختلفة و بصور رغم سوادها تتلون بالبنفسجي و الوردي و تحاول ان تكون جميلة و موصلة للافكار هنا كان التحدي.
يتحدث الفيلم عن الجمال، الرضا عن الذات، التعدي على الاخر، الاستغلال ، السرقة المبرره ، جرح الآخر بأسم الحب و تفاصيل تتداخل دون ان تتضح لكن تشعر بها، لذا الاحساس بهذا الفيلم يتفاوت من متلقي الى آخر ، فالبعض قد يفكر ان يراه ، و القلة قد تستطيع اكماله !

18may2017b

هنا نرى الطفلة لورا المخلوقة بلا عيون، تتاجر بها سيدة تمتلك بيت للمتعة، يمضون اليها الزبائن من الرجال و النساء لشعورهم بالامان لكونها لا تراهم لا تقيم اجسادهم و ميولهم و الوان بشرتهم، في طفولتها و للدقة بدء سيرها في هذا الطريق البائس ، منحها اول رجل عابر في حياتها فصين من الزجاج و اخبرها انتي تستحقين عيون ماسية و وضعهم مكان العين و مضى، بمرور السنين ارتبطت بهذه الفصوص و كانت اول ما تضعه على وجهها عند الاستيقاظ، حاولت سيدة كانت في مأزق مالي ان تسرق هاذين الفصين لبيعهما ، وحين فعلت اضطربت حياة لورا لوقت و لكنها شعرت بعد ذلك بالامتنان لكونها تحررت من شعور بارتباط غير حقيقي كان يسيطر عليها و تخلصت منه!

18may2017c

على خط موازي آخر هناك فتاة حالمة و حساسة ولدت بوجه مختلف عن الآخرين، يدفعها احيانا للتصرف باسلوب لا يشبه اسلوبهم، تعيش مع ابيها الذي يخاف عليها كلما خرجت من الناس، ويضعف دون قصد شئ بداخلها، لديها دفتر تجمع به صور كثيرة للشفاه و ما يتعلق بها ، تتمنى بأعماقها لو كانت بنت اخرى سواها و عادية ، ولدت وشفاهها تختبئ بين اردافها و فتحة شرجها في وجهها، مما يدفع ابناء الحي للتنمر عليها، و صاحبة المطعم للضحك كلما شاهدتها تتناول الحساء عبر قمع تحمله في حقيبتها بشكل دائم، في عيد ميلاديها يهديها ابيها قناع يود ان ترتديه كلما خرجت، يريدها ان تخفي وجهها كي لا يزعجها الاخرون ، احزنها ان يبدل ملامحها بوجه حصان خيالي و شعوره بان هذا اقل غرائبية ، تبكي سرا عوضا عن الفرح بالهدية و دون ان تسعد في ذلك اليوم الذي امتلأ باحداث كثيرة و لم يكن سهلا عليها.

18may2018d

في ذلك المساء و اثناء هروبها من فتيان حاولوا ايذائها دهست بالسيارة شاب عاش طوال حياته على مقعد متحرك رغم قدرته على الحركة، شاب يعيش مع والدته التي تخلى عنها ابيه ، كانت تصب غضبها منه على ابنه، لكونها كانت تعشقه و بمجرد ان عرف بخبر حملها توارى و اختفى، كان الفتى يحاول دائما بمشرط صغير خدش بشرته ، و بالتحديد ساقه و فخذيه، يريد ان يصبح جزئه الاسفل شبيه بعروس البحر التي وشم ابيه صورتها على جسده الغائب و رغم هذا لم يزل يقف حائلا دائم بين الام و الابن ، هو يحب ابيه رغم انه لم يراه و يود ان يذهب له ، و كان يتمنى ان يهرب من الحياة التي يعش بها اليه و في غيابه كان يهرب الى الحلم!

18may2017e

سيدة اخرى تتميز بالقصر الشديد و تعيش حياتها ترتدي ملابس دب وردي في برنامج تلفزيوني و لا تجني سوى ارباح قليلة ، بينما منتج العمل و وكيل المكتب الذي تعمل به يكسبون من ورائها الكثير ، تقرر ان تكف عن العمل لكونها حامل ، و الجنين في خطر ، وقد يكون مشوه و مع هذا هي سعيدة به و راضية لكونه سينهي احساسها بالوحدة و ستشعر بان وجودها هي لا الدب الوردي مهم لشخص ما، يحمل الوكيل حقيبة من المال و يهدد و يتوعد و يحاول ان يعتدي عليها ضربا ليجهضها، فيسقط من النافذة و تسقط الحقيبة معه.

18may2017f

على الارض الحقيبة و يقف امامها شاب بشرته محترقة منذ زمن و يحلم بان يتغير عبر عمليات التجميل ، يأخذها و يمضي للفتاة التي يعيش معها و تعاني هي من تشوه آخر ، يحدثها بانه وجد طوق النجاة و ترقبه بوجه يفكر بشكل اعمق و يتجاوز البشرة ، فهي رغم تشوهها لا ترى بشرتها سوى قالب اما هي فكل ما هو كائن بالداخل .
لأجلها طُرد شاب احبها من قبل والدته ، ذهب لها ليتزوجها و ذلك لشعوره بالكمال و هو معها ، هو ينجذب للفتيات الغير شبيهات بالفتيات الاخريات ، او الغير عاديات، حين اخبرها بذلك صفعته لكونها لم تشعر يوما بأنها فتاة غير عادية ، و صارحته بانها ترفض الارتباط به لانها لا تحبه و لانه لا يرغب بالزواج بها بل بالعاهة التي يراها بها و هذا ما ترفضه و لا يتناسب مع قناعتها في الحياة.

18may2017g

تتدخل الظروف في حياة هذه الشخصيات و ترتب لقاءات بسيطة لكنها قد تغير من حياة البعض ، و ايضا تفرق و تباعد شخصيات اخرى بعد عمر لاجل قدر آخر ينتظرهم و قد يكون افضل لهم ، هو فيلم لن ينال اعجاب الاغلبية لكن لغته السينمائية فنية، و يطرح الغريب باسلوب بارد و هادئ و مدروس وكأنه عادي !
لا انصح بمشاهدته لمن لا يجد في مخيلته و روحه مساحة لتقبل اشياء عديدة قد يرفضها عقله و المنطق و لكنها موجودة في حياتنا اليومية بطريقة ظاهرة او سريه و نتعايش معها بصمت ، بدء من اقارب مؤذيين الى ارواح ضالة تعيش روتينها اليومي و تهيم في حياتها دونما بوصلة او هدف او اتجاه ، هو عمل يحكي عن ارواح تشبهنا مليئة بالتشوهات ، تواجه تحديات ، كل منها يبحث عن آخر يقبل به كما هو ، لكن المشكلة اننا في بعض الاحيان و في الحياة قد نحتاج ان نعثر على انفسنا و نعرفها كي نصل من خلالها الى الآخر و نقترب منه و اغلبنا لا يفعل ذلك!

الفيلم من انتاج عام ٢٠١٧ عرض سينمائيا في التاسع من يناير و شاهدته البارحة في “نت فلكس” ، احببت بعض الموسيقى التي به و شعرت انها مألوفة و بها شئ مؤثر ، كما شعرت بأن روح المخرج تسيطر على المناخ العام للعمل و تظهر في كل المشاهد ، فلا انفعال زائد من ممثل و لا برودة في الاداء، كان يتصرف بوعي مع غرائبية الفكرة و يتعامل معها و كأنها حقيقة و امر طبيعي للغاية و مصدق (!) ، اضيف الاعلان الذي من خلاله نستمع لاحد الاغنيات الموجودة بالعمل و الذي لم تغطي الوانه المبهجة سواده و لم يمر -بالنسبة لي على الاقل- مرور الكرام .

~ بواسطة يزيد في مايو 18, 2017.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: