الأفق المتسع و المقاعد الخالية

20oct2017d

جلست في مقعدي بصالة الانتظار داخل المطار اتذكر تفاصيل عديدة حدثت في هذه الرحلة ، وجدت ان المشاهد تتداخل و كانها حوادث ممتده ، و بعضها يتكرر و مع هذا يظل قادر على إسعادي مثل قهوة اول اليوم في الصباحات الباكرة مع ارواح احبها و لا اجد صعوبه في فتح اي حوار انساني معها .
اثناء التفكير وجدت ان بعض المقاعد في حياتي غدت خالية بعد رحيل اصحابها ، لكن في ذاكرتي لم تزل وجوههم دافئة و تومي لي ، اراها من بعيد كطيف عابر، ربما ليس له صوت لكن أشعر بأرتباطي به و اراه في مخيلتي بحجم كبير يغطي جزء من السماء ، و كانه سحابة شفافة تعبر الزرقة لتختفي ، هذا الأحساس يتكرر في أي مكان اعبره و أعلم ان هذه الوجوه تحبه و لها ذكريات فيه.
في مدينة لندن تحديدا تزدحم هذه الوجوه الغير منسية ، ترافقها ايضا اشباح لأرواح حية ، ربما تكون غائبة عن المشهد لكن اشعر بانها لو كانت معي ستقول هذا التعليق أو تحب هذا الشئ او ذاك .
كما وجدت اننا في السفر قد نفترق لكننا احيانا نلتقي دونما ميعاد، و بقدر ما كنا نعيش في وطن واحد يجمعنا و نظل بداخله بعاد ، نقترب حين نلتقي صدفة خارج البلاد، لنتواعد بشكل يومي و ننطلق في تلك المدن بشكل ابسط و دونما خطة مسبقة او ترتيب، نعيش اللحظة فحسب ، نستيقظ مع ظهور الشمس و تستيقظ بعض حواسنا التي كدنا ان ننسى وجودها، نتحرر من دائرة التكرار و الروتين، نشعر رغم الشيب الذي مشط شعورنا بأننا صغرنا سنين، و بأن لنا في العمر أيام تحسب و نسعد بأنها كانت و عشناها.
من ضمن ما عبر ذاكرتي أمر بسيط حدث ظهر البارحة حين مضيت للسير مع روح صديقة في شارع على رصيفه أصطفت محلات عديدة ، بعضها للاثاث القديم و الحديث، و بعضها يبيع لوحات و أعمال فنية – القليل اثر بي و صورته – ، كما توجد مقاهي معدودة أختص أحدها بالأطعمة العضوية ، كان السير ممتعا و شعرت به اني اودع المدينة الى لقاء لا اعرف متى سوف يكون.
هناك و بين تلك الاماكن المتراصة وجدت متجراً صغير يبيع الحلي المصنوعة من اللؤلؤ و الذهب و الاحجار الكريمة ، محل لا يحمل اسم شهير اعرفه لكنه موجود منذ اكثر من ثلاثين عام ، اغلب ما في نافذة العرض كان تقليدي و معتاد، يشبه الى حد ما عقد ” كوكو شانيل” و “سندريلا” الذي نزع الاخوات حباته المتراصة قرب بعضها البعض بشكل رتيب حين لعبت بهن يد الغيرة .
وحده فقط استوقفني ، تصميم بسيط و مختلف توارى بينهم، و ربما كان كذلك لانه محاط بهم ، ضغطت جرس الباب الأبيض الشاحب بعض الشئ ، تأملت من الزجاج المكان من الداخل، مكتب صغير لا يجلس عليه احد، و ستار عريض فاصل اتى من خلفه رجل مسن للغايه يسير بخطوات حاول ان تكون سريعة لكنها ظلت بطيئة، اقترب من الباب و سألني دون ان يفتحه بشكل كامل ” هل لي ان اساعدك بشئ” لم اشعر بان سلوكه منفر أو غير مرحب او بأنه لا يريد ان ادخل محله بقدر ما شعرت أنه رجل مسن خائف لكبر سنه او مرتاب بعض الشئ، لكن لم استرسل في التفكير بل اخبرته بهدوء ان هناك سلسال بسيط في النافذة احببته و اريد ان اراه ، خرج معي لاشير له من خلال النافذة اي عقد اقصد و حين فعلت ابتسم و لا اراديا حك رأسه و كانه يفكر ثم ارتاح وجهه و طلب مني ان اتبعه ليريني اياه !!
وقف امام الباب مرة اخرى و اخرج المفتاح و دخلنا من جديد لاجلس على مقعد في المحل الصغير الخاوي من الناس او من صوت الموسيقى و مضى هو الى النافذة من الداخل ليخرجه و يضعه امامي ، حين فعل و اقترب احببت السلسال اكثر فحبة اللؤلؤ به لم تكن دائرية بل تقريبا طوليه ، غير منتطمة الشكل و اقرب لصدفة صغيرة ، ، تتدلى بشكل منفرد وحيده ، من سلسلة ذهبية رقيقة تزينت بفص واحد من الالماس و بالتحديد في المنطقة التي يلتقي بها طرفا السلسال ، اخبرته بأني احببت به تفاصيل عديدة و بت اسردها، كان وجهه يشع بسعادة كلما ابديت اعجابي بالعقد، و شعرت بأن في الامر قصة لا اعرفها، أو هناك امر ما في حديثي دفعه للابتسام، لكن المؤكد ان حالته تبدلت و اشعرتني بان هناك فيض بداخله بدأ يتدفق، رغم كبر عمره ، و بياض شعره ، و رعشة يديه ، دون ان اعرف اسبابه الحقيقيه(!) فليس من المنطقي ان الاعجاب بعقد يسبب لبائع كل هذه السعادة، خاصة ان كان عقد ذو تصميم بسيط للغاية و إن ظل مختلف .
تلقائيا و في منتصف الحديث قاطعني و كأن الامر فاض به و قال بصوت نبرته ظلت متأثره رغم محاولة اخفاء ذلك تحت ستار انجليزي بارد: ” إن ابنتي هي من صمم العقد … و بكل صدق تمنيت انها هنا لتستمع الى حديثك .. هي موهوبة لكنها تعثرت طويلا في حياتها المهنية .. لقد بدأت في المجال السينمائي لكونها شعرت بانها قد تضيف شيئا هناك و لم تفعل … كما لم تكن مقتنعة او تتصور بانها ستعمل معي ذات يوم .. لكونها تراه عمل رتيب و قاتل .. هذا السلسال الذي بين يدك اعجبني و اخبرتها بذلك لكن لم تصدقني … بل طلبت منها ان تصنع المزيد منه .. لكنها كانت ترفض مثل كل مرة فهي ملولة و لا تحب ان تكرر ذات العمل مرتين حتى و إن كان ناجح و تم بيعه … هي لا تصمم كثيراً و حين تأتي للمحل في المرات القليلة يكون هذا في اوقات مبكرة للغاية و تختفي في القبو لتصمم و تشتغل بيديها على صياغة هذه التصاميم التي قد تغير من شكلها خلال التنفيذ ثم تمضي … انها لا تحب ان تقابل الناس و بالتحديد الزبائن… خاصة من يشترون اعمالها … بل و ترى انهم و لا اقصد الاساءة .. يعانون من شئ ما او لديهم ذوق سئ .. لها مزاج صعب لكنها موهوبة حقا و لا تصدق ذلك ”
استفاضته و حبه البادي لها اثر بي ، و شخصية الفتاة بكل ابعادها اتفهمها تماما، و كل هذه التفاصيل جعلتني افكر بمواقف مشابه قد تحدث لنا حين يحدثنا اهلنا و القريبين منا عن افق متسع ينتظرنا و مع هذا نقبع في زوايا نرغب ان نركن لها بامأن عوضا عن محاولة التحليق و الانطلاق.
كان النداء الاخير يدعوني للتوقف عن الكتابة و المضي بحكم الوقت للبوابة المعنية، فكرت بالصورة التي قد ارفقها مع هذه السطور ، فوجدت بعض المقاعد الخالية امامي و امتداد السماء من خلف الزجاج و المكان الذي كنت به في تلك اللحظة كلها امور دفعتني لتصوير ما اراه امامي على عجل، حين جلست على مقعد الطائرة و شاهدت الصورة مرة اخرى اكتشتف وجود طفل صغير كان يركض في المشهد، و تذكرت وجهه المشوب بسمرة خفيفة و شعره ذو الخصل الملوية، تذكرت قوته في التعبير عن رغبته للنزول من العربة و السعي للركض و الانطلاق، ابتسمت فوق مقعدي اثناء التحليق ، و تخيلت أن وجوده في هذه الصورة قد يكون بالنسبة لي مؤشر لأمل قادم او رمزا على الاصرار.

~ بواسطة يزيد في أكتوبر 21, 2017.

رد واحد to “الأفق المتسع و المقاعد الخالية”

  1. تصنع تلك القلائد، لتختفي حتى تصنع منها المزيد. شوقتنا نشوف القلادة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: