الربيع لا يعرف كورونا

تستيقظ الزهرة و ليس على كاهلها هموم، شقّت طريقها منذ وقت، قاومت ثقل التربة، و حاولت أن تنهض لترى شعاع الشمس، تختار لذاتها مكانا يناسبها بين الزهور الأخرى للاستمتاع بشعاعها خلال عمر قد لا يتجاوز موسما، تقف بإحساسٍ عملاق رغم قصر قامتها أمام الشجر المحيط، راضية بما كُتب لها من وقت، ومن شكل، ومن رحلة.

الأشجار منذ أعوام تكرر المشهد، تتعرى لتكتسي من جديد، وهي تدرك أنّ كل شيء مؤقت، و أنها هنا لتعطي وتمنح بصمت، قد تهدي ثمارها لمن اهتم بها و عاونها على العيش، وتهبُ ظلها له أو لسواه في الأيام المشمسة، كل ما تعرفه أن الاشياء لا بد أن تسير كما قُدّر لها، و تتكرر إلى وقت.

الطيور تأخذ رزقها من الأرض، تُعين و تساعد، تخفف بتغريدها من حدة الصمت، و ربما منحت الأمل لإنسان حزين يقف خلف نافذة، لكل منها صوت، وطريقة عيش، ولون يختلف، لكنها جميعا تحب حريتها، وتعشق زرقة السماء، وتسعى في هذه الأرض إلى حين.

المواسم لا تأتي بغتة، لها مسار مكتوب، ونظام كوني يجعلها تتناوب علينا خلال عام، تحضر دون دعوة، وتأتي بالتزام، لا تكترث بقصصنا الجانبية، و تفاصيلنا اليومية، ولا يعني لها الدخول في أمور لا تعنيها، تمضي فصلا بعد آخر، دون الالتفات إلى حدث قد يخيف سكان الكوكب، مثل فنان يحمل فرشته، ويرسم لوحته منصرفا عن أحاديث الناس، والنقاد.

مضيت أسير على الأرصفة بعد فترة مرضت بها، و كنت أرقب السماء من خلف الزجاج، و أسمع الطيور دون أن أراها، لوقت تجاوز فترة الاسبوعين بيومين، تحركت و عيني تود أن تضم الكون، شعرت أن الاشياء بدت لي أجمل لأنها لا تكترث بقدر ما تجتهد في أن تؤدي ما هو مطلوب منها فحسب، و كان كلّ ما حولي يعلنُ حضور الربيع ، رغم خوف الناس ، و اختبائهم و إهمالهم للحياة، كانت الطبيعة تتحرك بإرادة إلهية، تمنح كل ورقة شجر على ذات الغصن شكلا مختلفا رغم التشابه مع الأوراق الأخرى، تمنح كل شجرة تكوينا متفردا ، و طولا متفاوتا، لترى رغم التباين انسجام، و رغم الفوضى نظام، حتى الزهور الذابلة قرب الزهور المتفتحة تمنح المشهد بعدا دراميا ، و إحساسا أعمق.

هذا الكون الذي يدور بإرادة خالقه، لا مجال للعبث أو الصدفة أو الخطأ فيه، حتى وإن كنّا نفعل ذلك ونشعر به كمخلوقات، والمسافة التي بيننا و بين مخلوقات الله الأخرى كبيرة، رغم اقترابنا اليومي منها، فبعضنا كلما كبر ابتعد عن فطرته، والبعض الآخر منا ريبته و أنانيته و طرق تفكيره قد تفسد كل شيء بداخله و حوله حتى الطبيعة.

هذا الربيع استثنائي، فأغلب بني الإنسان يقضونه في منازلهم، وتتأمل عيونهم شاشة الأخبار أكثر من النوافذ. هذا الربيع ملتزم لأنه لم يخلّف موعده مع الكائنات الأخرى .. هذا الربيع مستمر في سكب جماله .. ولا يعرف “كورونا”!

~ بواسطة يزيد في أبريل 9, 2020.

4 تعليقات to “الربيع لا يعرف كورونا”

  1. عزيزي صاحب هذه المدونة التي أتابع فقط اسمها منذ أمد بعيد لكنني لم أجرؤ يوما قط علي الاقتراب من إحدى روائعها لاكتشاف جمال ما قد تعنيه، وهأنذا أفعل ذلك هنا، والآن. شكرًا الي حد السماء.. بحق!

    لن أبالغ إذا قلت أن هذه من إحدى أكثر الكتابات اللطيفة التي قرأتها طوال حياتي على الإطلاق! لأنك ليس فقط تتحدث عن حقيقة وبديهة في الطبيعة، وإنما لتنبيهك على قسوتنا تجاه أنفسنا والمحيط في مقابل الطبيعة التي ما زالت تسير علي سنة الله في أرضه والتي لن تسعى بيوم من الأيام إلي تحويلها أو تبديلها.
    نحن بنو آدم من غيّر وحول وبدل وظلم وانحرف. ليتنا نتعلم شيئًا واحدًا فقط من الطبيعة، كالمضي قدمًا والإستمرار والانصياع لإرادة الله رغم كل الثقل الذي يغلفنا والعالم من حولنا.

    أختي تستغرب أنني لا أتابع فيسبوك، ولا أتابع أخبارًا عن الوضع الحالي، لأقول لها أنه لن يفيد بشئ متابعتي لما يجري من حولي ولا معرفتي عدد ضحايا كل يوم. لن يفيد بشئ حقًا غير الامتلاء بالرعب والذعر والتسمر في مكاني لا أفعل شيئا!

    الله يزيح الغمة، وشكرًا لك مرة أخري.

    • شكرا في اول الرد لا اخره على هذه الكلمات المؤثرة و على اعادة نشر التدوينة.
      اشاركك الشعور ذاته في الانسحاب من نشرات الاخبار المؤدلجة و الخالية الى حد ما من المصداقية و الدقة و التي تصاغ بطريقة احيانا لا تهدف لايصال المعلومة لك بقدر افزاعك او التأثير عليك او تبرير سلوك انت غير مقتنع به و تشعر بأنه قد يفرض عليك !
      الله رغم الفوضى التي نقوم بها هو المخرج لنا و ما نستند عليه في رحلة عبثنا احيانا و من نلجأ له عند كل توبة قد لا نستمر بها و رغم التكرار لن نكف عن دق بابه.
      اكرر شكري

  2. […] via الربيع لا يعرف كورونا — يزيد . نت […]

  3. الوصف في كلماتك أشجاني وحين أكملت وشاهدت المقطع أبكاني..بكيتنا يا يزيد بصدق ودقة وصفك.

    نعم، لقد انتصرت الطبيعة علينا، نحن البشر الذين كنا نسعى بذكائنا الطاغي للانتصار عليها.
    فالآن، هي من يمد يد العون لنا، لننجو من وعثاء المرحلة، وكآبة السكون، فغدا تغريد الطير أنس بالنسبة لي، والسماء من أعلى سطح بيتنا فسحة لصدري، ونباتات منزلنا المتراقصة أملاً لروحي.
    نعم، انتصرت الطبيعة، كما تفعل دائمًا، وإن لم نكن ننتبه ..قبل كل هذا السكون.
    شكراً لك..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

 
%d مدونون معجبون بهذه: