شوق و تردد

بي شوق للكتابة، و الافكار تعبر رأسي كالنسمات التي تداعب الزهور باستمرار، لكن لا شهية !
لقد اتسعت الهوة بيني و بين ذاتي، و باتت تتضح اكثر عند الكتابة !
المبادئ، و القيم، و الموروث، كله بات عرضة للاهتزاز في رحلة عمر تجاوزت اربعة عقود و اكثر، مشوار به لم تكن كل الطرق معبدة، و لم اكن به ملتزما بكافة التعاليم الصحيحة للقياده، حياة بها تركت الطرق الاساسية و اتجهت للفرعية كثيراً ، مرة بدافع الفضول، و مرات بدافع المتعة و الرغبة في الابتعاد عن الازدحام و المألوف، و محاولة هزيلة لاكتشاف “شئ” لم يدركه الآخرين، و ربما سعي لتميز “وهمي”، أو ربما لعلة ما تقطن “نفسيتي” و “عقد” كثيرة و “افعال” لا أرغب بالتحدث عنها و قد يخجل حتى القلم من البوح بها !

*****

في نقطة ما ينتابنا “التعب” و نرغب أن نقف، لكن في الحياة لا وقوف، فقط نوم يشبه “موت مؤقت” به تسرقنا يد الاحلام لعالم موازي، قد نلتقي فيه بمن رحلوا و اخذوا بعضنا معهم، أو ربما كوابيس تدفعنا للاستيقاظ و العودة لحياة يراها البعض مستقرة، كجسد متمدد على المضجع بهدوء، دون ادراك كافي بالحركة التي تحتله من رأسه و حتى اطراف قدمية، الخلايا التي تموت و الاخرى التي تتجدد، القلب الذي لا يتوقف، و الانفاس التي تعلو و قد تثقل خلال النوم في مواقف مذهلة، حيث نكون في اماكن لا يراها من يرقبنا، فلا يعي اننا نعيش في هذه اللحظة بعيدا عن المشهد، و بأننا تحت تأثير سطوة النوم قد نتسلق القمم العالية-رغم ضعف همتنا- و ايضا نسقط من علوها في لحظة فنشعر برهبة السقوط و لكن دون ان نموت، و احيانا قد ننام بدون احلام ، فقط يهدأ الرأس من التفكير، تماما مثل أي جهاز نفصل اسلاكه عن التيار الكهربائي الموصول به لتخف حرارته و يعمل غدا بشكل افضل.

*****

في الصباح الباكر يستيقظ كل منا و هو يشبه كوكب يسبح في مجرة، بداخله امطار من الهموم، و في الوقت ذاته براعم لنباتات جديدة تشق طريقها و تود ان تظهر، سحب من الحزن المبهم المتراكم على مر السنين تحاول ان تغطي شمس التفاؤل الذهبية، و صراعات عديدة داخلية في غابة الروح و بحار النفس ، و خيوط ترابط و تماس ما بين الحاضر و ما بين الأمس، تيارات قلق و توجس من تكرار “تجربة” تعزز باعماقنا رغبة الانسحاب و الخوف من المجهول احيانا اخرى.

*****

نتحرك كمقبرة تحمل ارواح من فارقونا، و ربما يثقلنا نعش “فقدانهم” رغم مرور الوقت و حضور النسيان في بعض الاحيان، نستحضرهم في مواقف عابرة و مصيريه، و نتخيل اقوالهم و نصائحهم اتجاه هذا الامر او ذاك، و مقبرتنا الداخليه لا تحمل اسماء الموتى فقط ، بل من افترقنا عنهم و هم لا يزالون على قيد الحياة و رابط الشوق اتجاههم رغم “بتره” لم يقطع تماما!
في عمق تلك المقبرة قد نجد الاحلام “المجهضة” كصغار لم يُكتب لهم الحياة، و “تجارب” حدثت لنا و لم نشارك بها أحد، و “اسرار” و “وجهات نظر خاصة” و “رغبات”، و ايضا “نوايا طيبة كثيرة” فكرنا بفعلها و اهملناها الى ان ماتت مع الوقت.

*****

فوضى داخلية كمؤسسة تجارية تستمر في اصدار الفواتير، بها الاوراق تتطاير بلا سجلات، و المحاسب بها هرمت طاقته و ضعف نظره مع السن، و الادارة بمرور الزمن باتت رغم الشعور بالافلاس احيانا ترى ان التجاوز اسهل الخيارات حتى و ان كان اكثرها ضررا، الحماسة التي كانت في بداية المشروع غدت رماد بعد نار، و شعور بالخواء يملأ ردهات المكاتب ذات الابواب المشرعة و الصمت الثقيل ، اتربة اللامبالاة استقرت ببرود فلا اثر هنا لعمال نظافة، و هجمات التنظيف التي كانت قد تأتي، و لكن لتأكيد حضور لا اكثر و ليس لتحقيق نتيجة.

*****

تحت مسامات بشرتي التي هرمت مع الوقت تختبئ قصص و تجارب اغلبها قد احاول نسيانه، حكايات انتهى بعضها بلا نهاية، و بدايات لم تسفر عن شئ، فأي شئ مفيد او مكتمل يمكنني هنا أن احكيه !؟
عيوني التي كانت لامعة بدهشة الطفولة لم تزل تلمع في بعض الاحيان و للدقة تدمع حين تذكر بعض ما جرى و بعض ما كان، الطريق الذي اخذته اخذه البعض مثلي، و لم يكن انطلاق فعلي من نقطه الى نقطه بقدر ما كان دوران ثور حول الساقية، مقيد و اتحرك مثله بعيون مغطاة، و اكرر الدوران ، قد تتغير السواقي و الاسماء و المناطق و ربما الايادي التي تضع القناع على عيني في كل مرة، و دوما اشعر في دوراني و الظلمة بمداها الاسود تطوق عيناي، بأني احيا، و اعطي، و بأني فعال ،لكن فعليا انا احيا في مزارع لا املكها، و ما افعله قد يفعله اي ثور اخر بعد موتي!
تأتي احيانا لحظة بها يُنزع القناع و ترى لوهلة ضوء يزعجك، و تدرك ان اقرب الايادي لك كانت تستغلك -حتى يدك !- و ربما تخدعك و ان كانت تطعمك، تشعر بأنك رغم حجمك و قدراتك اداة قابلة للسيطرة، و بأنك بت بعد الفة الظلمة ،و التعود على التحرك بشكل معين، مثقل و لا ترغب في استكشاف الغابات المحيطة او الكائنات الاخرى، تجلس امام الماء راضيا بالعشب الذي امامك، و جسدك منهك و قدراتك ضعفت و طاقتك في الحلم او التحرك باتت قليلة، فقد اجهدك الدوران المتكرر في النقطة ذاتها، ترقب الشمس و هي تغرب و تعلم انك عشت نهارات عديدة حُسبت من عمرك و لكن القليل منها كان يحسب لك.

~ بواسطة يزيد في يونيو 16, 2020.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

 
%d مدونون معجبون بهذه: