ملاعب الريح
في البدء كان الصغير يحيا في منتصف الدائره ، يلهو بأمان ، تحيطه الجدران العاليه ، المتمثله في عقلاء يسيجون أرضه و يكفونه شر البعيد .
كانت الرياح تحمل أصوات الذئاب العاوية ، الجائعة لمكانة ما ، تأتي محملة بالكراهية و تقف عند الاصطدام بجدار ما فتصمت !
كان يزرع في تربته زهرة الحلم ، و يحيطه سد منيع ، عالي ، قوي ، لكنه ككل شئ له عمر افتراضي ، و وقت رحيل ، به تلامس يد الموت لوح من الواحه فيسقط من علوه فتات ، و بمرور السنوات تتهاوى الألواح واحدا بعد الاخر .
في السنوات الاخيرة سقطت جدران كثيره ، حمل لها تقدير و عرف قيمتها عند التلاشي ، ابيه ، و رجال في دولته ، و وجوه اقرباء احبهم ، قطفهم الموت ، و الفراغ الماثل أمامه سرقه من حزنه ، وألقاه دمية صغيرة في يد الخوف .
بات يترقب الآتي دون ان يعلم ما هو ، يحمل هم المجهول ، و عيناه تلمح ذلك الاتساع الشاسع ، تكتشف الصحراء التي تحيطه ، و بأذانه يسمع تلك الأصوات التي كانت تحملها الرياح
مشاعر عده اشغلته عن زهرة الحلم فذبلت ، و تردد كبير سيطر عليه ، فأين يهرب ، و ما يخافه هو المدى الذي سيهرب اليه ، هو يحب الارض التي يقف عليها ، و التي ولد بها ، حبى فوقها ضاحكا في أيام مضت ، و شاهد ذاته في عيون كانت تبتسم له و الوقت أغمض جفونها .
حين تمر الريح من الشقوق التي تحيطه ، مصدرة صفيرا موحش ، و عابثة بتراب المكان ، ملامسة الجدران المتبقية ، للتأكد من هشاشتها ، و معرفة ان الوقت حان ، كل ما يخشاه أن تسلبه أرضه لا روحه !
فإن ذهبت هذه المساحة التي تحتويه بات غريب ، لا يملك شيئا ، و ان تَغرب معه من يعرف غدا وحيد ، قابل للضعف و الكسر ، في الظلمة يلمح لمعان عيون الذئاب الجائعة ، و يدرك أن الريح أفسدت بعض من يحيطه ، و لأجل أن يلعب بعضهم و يكسب ، فهم على استعداد أن يضحوا به كصديق طفولة و بالأرض و بكل المكان !
يلصق ظهره الصغير بالجدران المتبقيه ، يلمح في أكثرها دفئاً وجه أمه ، لم يعد ينام كسابق عهده ، غادرته أحلامه ، و بات واقعه كابوس يجب أن يحياه خوفاً من كابوس أكبر !
الريح تتحرك بتماوج أفعى ، بمكر شيطان يرتدي ثوب الدين ، تحمل في صوتها نداء تقدمي يدعو للتحرر و التقدم ، لكن نبرته ” ديكتاتوريه ” يسكنها الخراب !
ظلمة دامسه ..
و جدران معدودة متبقية …
و صغير يركن في زاويه ..
يُحدق فيما لا يرى ، بقلب مضطرب ..
و عيون تنتظر فجراً آخر ..
غير الذي يأتي بعد كل ليلة !









