وجه محمود عبدالعزيز رحمه الله في هذه المرحلة – فيلم المتوحشة – مرتبط لدي بطفولتي ، بتجربتي الأولى في أختيار فيلم رغبت بمشاهدته في السينما بعد أن شدني الاعلان .
في هذا الفيلم كان الانسان اللطيف ، المتسامح ، و الحنون ، الذي لا ترى عيناه من خلف نظارته الطبيه سوى الجميل في الناس ، لذا أحببته في هذا العمل ، و ظلت صورته دائما حاضره في ذهني بهذا الشكل ، انسان لا يؤمن بالطبقية أو لا يرى انها تشكل حاجز ، صادق ، حالم ، حساس ، محب لكل الناس ، و فعلياً لا أدرى هل حدث هذا بسبب “انطباع اولي” ، أم لاعجابي بشخصيتة في هذا الدور الذي لم يتكرر في السينما كثيرا .
هذا العمل شاهدته بالقاهرة عام ١٩٧٩ميلاديه ، في سينما لها ممر طويل ، مع اختي الكبرى ، حضرنا العرض الصباحي و الذي تبدلت نهايته ، ليناسب صغار السن من الجماهير .كان الفيلم مليئ بالاغاني التي حفظتها و عبرها تعلمت كلمة “فيلسوف” مبكراً .
عند الخروج من قاعة العرض للشارع سرنا في ذلك الممر المعبد ببلاط عتيق ، فوقه نُصبت طاولة متنقلة ، وضعت عليها مجموعة من شرائط الكاسيت التي طبع على غلافها أفيش الفيلم الأصفر اللون، اشتريت نسختي التي تضم كافة الاغنيات مع بعض جمل الحوار المؤثرة ، اذكر منها ” اللي معاه قرش محيره يجيب به حمام و يطيره ” !
هي عبارات و اشعار كتبها الراحل صلاح جاهين ، ادتها الراحلة سعاد حسني بأحساسها الخاص، كما شارك الراحل محمود عبدالعزيز و عبدالرحمن ابو زهرة في بعضها ، هو فيلم وصل لقلبي سريعا و أحبه بالقدر الذي استطاع العمل به أن ينفرني من الفقر و كل ما يأتي معه في ذلك العمر الصغير !
بعدها بسنوات عده شاهدته وجه لوجه ، حدث هذا في منتصف الثمانينات في احدى حفلات رأس السنة و بالتحديد في “فندق السلام” بالقاهرة ، ثم لاحقا في عام ١٩٨٦ ميلاديه حين حضرت له عرض مسرحي بعنوان ” خشب الورد” مع أقارب لي و اصدقاء طفولة .
دخلنا بين الفصول لغرفته خلف الكواليس ، مضينا إلى هناك و بيدنا الكاميرا ، كنت أبلغ من العمر ١٢ سنة ، و كان أكثر من لطيف معنا ، التقطنا معه بعض الصور ، ثم استأذناه أن نلتقط له صورة خاصة وحده فلم يمانع ، رغم تعبه و ارهاقه و ضيق الوقت – فالفصل التالي كان سيبدأ بعد دقائق- تحمل وقفتنا و كثرة عددنا و حديثنا معه أو معاً ، ضغطنا ليلتها الكاميرا سريعاً فكانت هذه اللقطة التي ارفقها اليوم مع سطوري هذه، و اتذكر حينها سيجارته و هي تترمد في منفضة السجائر، كان راغب بالتدخين و مجهد ، و مع هذا حاول أن يأخذ وضعية مناسبة أمام العدسة و جاملنا .
اليوم جلست اتذكر بعض الشخصيات التي لعبها و الاعمال التي شاهدتها لها ، فوجدت أن هناك افلام لها مكانة خاصة لدي ، بعضها قد لا يكون الافضل في نظر النقاد ، و بعضها قد لا يعد الاكثر شهرة ، لكنها افلام مرتبطة لدي بذكرى ، و مكان ، و احساس ” نفسي ” بالاشخاص الذين كانوا معي أو بالشخصيات التي لعبها .
مثلاً فيلم ” شفيقة و متولي ” اتذكر بأني حضرته مع أهلي في السينما طفلاً و قبل المتوحشة ، ” طائر الليل الحزين ” شاهدته مع زوجة خالي صغيراً ، ” لك يوم يا بيه ” و ” بيت القاصرات ” و “ابناء و قتله” مرتبطين بشقة بالايجار في لندن و بداية معرفتي بالجانب الكوميدي في اداءه، ” بناتنا في الخارج ” مرتبط لدي برفقة طفولتي و بيت جدي ، ” العذارء و الشعر الابيض ” و ” ارجوك اعطني هذا الدواء ” مرتبطين باجازات آخر الاسبوع و غرفة ابي و أمي ، ” الخبز المر” مرتبط بغرفة مستقلة وجهاز فيديو خاص بي ، ” اعدام طالب ثانوي ” مرتبط بحوار عنه مع صديق طفوله في فناء مدرسه ثم البحث عنه لمشاهدته ، ” مع حبي و اشواقي ” و ” المجنونة ” مرتبط بأختي الكبرى و صحن الكبدة في الفيلم الثاني ، ” حب لا يرى الشمس ” مرتبط بقريبات لي تأثرن حد البكاء عند مشاهدته .
هنا اضيف لقطات احببتها من فيلم المتوحشة ، تظهر بعض سمات الشخصية التى اداها ، التقائه بالفتاة التي تعمل بمسارح مدينة الملاهي ، متابعته لها و بحثه عنها حين تركت عملها و سعت للعمل في مصنع ، انفصاله عن اشياء كثيرة حوله و اندماجه مع كتبه و اسطوانته ، حبه لكل ما هو حقيقي و اصيل ، وضوحه و ثقته باختيارته التي يأخذها بعيدا عما هو متبع و دون التفكير بمعايير الناس ، تعاطفه مع من يحب و محاولة احتوائه الدائمة ، كلها تفاصيل احببتها في الدور و اثرت في حبي له .
رحمه الله و ثبته عند السؤال و رحم جميع الذين رحلوا في هذا العمل و جميع من مضوا من حياتنا و تركوا من بعدهم مكانا لن يملؤه احد سواهم و لم يوجد الا لهم .






















مشاركات وانطباعات واراء الزوار