اليوم اضيف سبعة أفلام قصيرة ، شاهدتها لأول مرة على اسطوانة ليزر في التسعينات الميلاديه ، و احببتها كثيراً .
لقد فتحت لي نافذة جديدة على عالم الرسوم المتحركة ، أخذتني الى نوعية مختلفة عما أعتدت عليه ، هنا الأفكار تتنوع ، و طرق الرسم تتفاوت من فنان لآخر .
سعدت باقتناء المجموعة في ذلك الحين ، مع تطور ” التكنولجيا ” خفت عليها من الضياع ، بحثت ملياً عنها في اصادرات حديثه – DVD ، ايتونز – و لم اجد شيئا هناك .
بعد مرور وقت ، و عبر اليوتيوب ، و مواقع الانترنت الاخرى ، و من خلال المهتمين ، الذين تطوعوا بوقتهم و رفعوا بعض هذه الأفلام ، اتيحت لي فرصة جمعها من جديد في هذا الموضوع الذي اعده ” دعوة مفتوحة ” للجميع .
الوجه الأول
سأضيفها هنا وفق ترتيبها التسلسلي ، كما شاهدتها أول مرة على الاسطوانة التي اشتريت من متجر ” فيرجن ” بالنمسا عام ١٩٩٧ ميلاديه .
كانت الاسطوانة صادرة من “NFB” و هو المجلس الوطني للأفلام في كندا ، بالتحديد وحدة الرسوم المتحركة التي كانت و ما زالت تحاول دعم هذا الفن ، فتقدم اصدارات ” مستقلة ” بين وقت و آخر ، تتضمن مجموعة قليلة من الأفلام المميزة ، الحائزة على جوائز ، و التي لم يكتب لها أن تعرض جماهيراً على نطاق واسع لأسباب عدة .
احتوى ” الوجه الأول ” على أربعة أفلام صادرة ما بين مرحلة السبعينات و الثمانينات الميلاديه ، و هي على التوالي :
اشياء حارة
هذا العمل يحكي عن ” لامبالاة ” الانسان ، يرصد سلوكه الأستهتاري رغم ادراكه و امتلاكه للكثير من المعرفة .
لرصد ذلك تم اختيار عنصر ” النار ” منذ اكتشافها و حتى وقتنا المعاصر .
التجربة علمت انسان ” العصور الأولى ” أن تلك الشعلة لا بد أن تكون دائما تحت السيطرة ، و أن التعامل معها لا بد أن يكون بحذر ، و مع هذا كان التجاهل ” سمة ” و طبيعة في تكوينه على مر العصور!
لقد تخطى بعدم اكتراثه حدوده و تعدى على ما هو عام ، لم تكن له دوافع سيئه ، هي فقط اهواء و تراخي و استسلام ، مزيج من التبلد و عدم الاهتمام !
تم انتاجه عام ١٩٧١ ميلاديه ، حظي باعجاب النقاد ، و قد كتب احدهم في وصفه ” إنه متعة الارشاد عبر الترفيه ” .
فالس لقائد الأخشاب
هذا الفيلم مستلهم من اغنية فلكلورية كندية تحمل نفس العنوان ، الفتاة بها تحلم أن تراقص ذلك العامل البسيط ، فهي تراه الأجدر و الأنسب لمشاركتها هذا الفالس الراقص .
أقدامة التي تعمل في النهر بخفة ، روحه المرحة كطفل صغير ، جسده المتحرك برشاقة تدفق الماء ، امور جعلته في عينيها أفضل من سواه و أكثر لياقة .
تم انتاجه عام ١٩٧٩ ميلاديه ، و استخدمت الشخصية المرسومة به في عام ٢٠١٤ لتزيين طابع بريد كندي .
” جورجي ” و ” رروز ماري “
الفيلم رومانتيكي كوميدي ، يروي قصة رجل و امراة كلاهما تخطى الخمسين من العمر ، و يؤكد أن العشق ليس حكراً على سن محدد .
عمل لا يخلو من حس الفكاهة و تتعاطف معه ، خاصة حين يحاول ” جورجي ” انهاء احلام يقظته و البدء في محاولة جاده .
انتج سنة ١٩٨٧ ميلاديه . و كان من الأفلام المرشحة لجائزة الاوسكار الامريكية في ذلك العام .
مصير ” ميلبومينس جونز ” المروع.
الفيلم يحكي قصة شاب مهذب و خجول لحد القصور في الشخصية !
لا يستطيع أن ينهي لقاء ، يتعامل مع مجاملات الآخرين بأرتباك و يأخذها كحقائق مسلمة .
هذا الامر لاحقاً سبب له حزن كبير ، فمكوثه ذات اجازة في مكان لفترة طويلة دفعه للمغادرة بطريقة غير متوقعة !
تم انتاجه عام ١٩٨٣ ميلاديه ، و هو مستوحى من قصة قصيرة للكاتب ستيفين ليكوك .
الوجه الثاني
ننهض الآن لنقلب الأسطوانة على الوجه الثاني ، الذي يحتوي على ثلاثة افلام قدمت بمرحلة الثمانينات و التسعينات الميلاديه ، مدة الوجهين ككل 56 دقيقه ، و كافة الاعمال تمت معالجتها لتنقية الصوت و الصورة و تصحيح الألوان ، اول افلام هذا الوجه هو :
طائر الخنزير !
يحكي قصة نجاح احد المواطنين الكندين في الحصول على حيوان يدرك أنه ” ممنوع ” دخوله من قبل الجمارك ، العمل هنا موجه و يرصد النتائج الكارثية التي تحدث و الأضرار التي تتبع هذه المخالفة .
تم انتاجه عام ١٩٨١ ميلاديه ، و ملامح الحيوان و العنوان ” افتراض ” تخيلي أبدعه فنان .
لا مشكلة
من أكثر الأفلام التي أحببت في هذه الأسطوانة ، و كذلك الفيلم الذي يليه .
يروي قصة رجل كبير ، وحيد ، مزاجه غائم في يوم ممطر ، و نفسيته كحياته ليست في أفضل حالتها و كذلك شكله الخارجي .
مشاعره تتضارب ، صراعه الداخلي يظهر طوال الفيلم دون استخدام كلمة واحدة !
في ذلك السبت … بليل الصمت .. مع دفتر أسود .. به لكل حرف ذكرى .. ما الذي سوف يحدث !؟
تم انتاجه عام ١٩٩٢ ميلاديه ، شعرت بأنه طبيعي و كان في رصده الداخلي للأنسان مميز و واقعي للغايه .
فطيرة
عمل مستوحى من قصة قصيرة للكاتب الكندي و يلما رايلي و اضفته سابقا هنا .
يروي قصة السيدة البولنديه التي تسكن بالجوار مع بقرتها ، و جارتها الألمانية المهوسة بالنظافة ، و الصراع القائم بين الاثنتين بسبب اختلاف التركيبة و الطبيعة و التكوين .
نرى هنا كيف تبدل ” العاطفة ” الاشياء ، و كيف لشعور أن يمحو شعور ، و أن أصعب الأمور قد تحل بأسلوب هين ، و لسان لين ، و رغبة حقيقية في مد اليد للتسامح بعد التفاهم و الاستعداد الدائم للبدء من جديد .
تم انتاجه عام ١٩٨٤ ميلاديه ، و هو من الاعمال الانسانية التي لامستني بشكل كبير .
لحظة وفاء بين جيلين ، الممثل خالد الصاوي يقبل يد طفلة الأمس الموهوبة فيروز الصغيرة في حفل شم النسيم الذي أقامه كابتن نادي الأهلي السابق شريف عبد المنعم وزوجته دكتورة شيرين الرخاوي في شهر ابريل عام ٢٠١٥ ميلاديه .
يا من تتخفى في صدري …
… ما اسمك !؟
قل لي .. أنا لا أدري !!
حب ُ… أم و هم ُ.. !؟
أخبرني ….
ماذا تحمل لي يا قدري !؟
ماذا في القلب يداعبني !؟
ليلا و نهارا يصحبني ..
بهوى ، يتملك أيامي ..
يتعبني .. لكن يعجبني .. !
تنويه :
+ من أغنية ” أشواق ” كلمات جمال بطيشه و الحان جمال سلامة ، صدرت عام ١٩٨٧ ضمن البوم ” مش حاتنازل عنك ” .
هذه المجموعة من الأفلام ، المحفوظة على أقراص مدمجة كبيرة الحجم ، مرتبطة لدي بمرحلة التسعينات الميلاديه .
معها قضيت أوقات خاصة و حميمة ، سواء مع اسرتي ، اصدقائي ، أو وحدي في الصباحات المبكرة و الليالي الطويلة .
صفاء الصورة و الصوت كان يتجاوز أشرطة الفيديو العادية بمراحل .
سطحها شديد النقاء كمرآة ، ينعكس عليه مع الضوء الوان الطيف .
مجموعتي التي اقتني تتجاوز ٣٠٠ فيلم .
اولها ” تجريبي ” اتى مع جهاز الفيديو مجاناً .
كان أبي قد اشتراه منذ وقت ، لكن لم يكترث له كجهاز مشاهدة بل استخدمه ليسمع الأغاني المسجلة على سي دي .
فلم أعلم عنه شيئا ، و لم اعرف هذه الأسطوانات الكبيرة إلا حين شاهدتها لأول مرة في بيت صديق لي .
عدت منبهراً و حدثت أبي عما شاهدت ، ابتسم و أخبرني بأننا نمتلك واحداً ، و بأمكاني مؤقتاً أن أستعير من صديقي بعض الأفلام ، لكونها غير متوفرة هنا و لا تباع لذا لم يهتم بهذا الجهاز كثيراً و وضعه جانبا مع ذلك القرص الكبير ، فالأفلام الأجنبية في ذلك الوقت لم تكن تعني شيئا لديه ، فقط التقنية و حديثها هي ما كان ما يجذبه لكل تلك الاشياء .
أذكر تماما أول عملين شاهدتهم ، الأول ” أميدوس ” عن حياة الموسيقار موزارت ، و الثاني رسوم متحركة بعنوان ” الكلاب كافة تدخل الجنة ” و كلاهما من ترشيح صديقي .
بدأت أكون مكتبتي الخاصة من خلال السفر ، أقتنيت المجموعة الأولى من دبي – جزء اشتريته من مجمع تجاري و آخر من المطار – ثم على التوالي و بالترتيب ، أمريكا ، بريطانيا ، فرنسا ، النمسا ، و غالبا كانت توجد في المحلات الكبرى مثل ” فيرجن ” ، ” فناك ” ، ” تاور ريكورد ” ، ” هارودز ” و ما شابه .
في الرياض أقترح أحدهم أن اشتري من ” شخص ما ” كان يتاجر بهم ، لكني لم أرحب لكونه كان يُدبل السعر اضعافاً مضاعفة .
و هي اصلاً ، و وفق احساسي في ذلك الوقت و ميزانيتي كانت باهظة الثمن ، فبعضها قد يتراوح ما بين ١٠٠ دولار أمريكي أو خمسين ، أو ٣٠٠ فرنك فرنسي و احيانا يقارب الخمسين جنيه استرليني .
لذا كنت اتأنى قبل الشراء ، و لهذا اشتريت كتيبات خاصة ترويجه ، تباع و بها يظهر غلاف الفيلم و نبذة عنه مع سعره التقريبي ، كانت الأعمال في هذه الكتيبات تُصنف كل مجموعة حسب نوعها و كان هذا في المرحلة الاولى .
في مرحلة لاحقة قلت الأسعار بشكل طفيف ، و أنتشر ” جهاز التشغيل ” في محيط أسرتي ، و بات البعض منهم يستعير مني هذا الفيلم او ذاك ، يهاتفني في البدء للاستفسار و الاستعارة ، ثم يمضي بنا الوقت طويلاً في احاديث متشعبة عنا و عن الحياة و ارائنا في هذا الفيلم او ذاك .
تلقائيا رقمت هذه المجموعة بأرقام تسلسلية ، و بت عوضاً عن كتابة اسم الفيلم و المستلف ، أكتب رقمه و اسم الشخص ، و لاحقاً استحدثت نظام ” جدول لكل صديق ” .
باتت هذه الأفلام تشغلني بمشاهدتها أو أرشفتها ، هذا الأندماج دفعني لاحقاً إلى تصميم كُتيب عربي ، كنت به أمارس هوايتي في الكتابة ، فأدون فكرة الفيلم في سطور صغيرة ، مستخدماً في هذا ماسحة الكترونية و برنامج ” مايكروسوفت وورد ” .
هذه العملية أخذت مني بعض الوقت ، فالأنترنت لم يكن منتشراُ كما الآن ، هي فقط شبكة ” انترنت ” اذكرها في البحرين ، كان البعض يدخلها في منتصف التسعينات عن طريق اتصال دولي ، جربتها لفترة ، و للتوفير كُنت أفتح الصفحة المطلوبة ثم أغلق الاتصال سريعا الى ان أنتهي من القراءة ثم أعيد الاتصال مرة اخرى و هكذا !
هذا التصفح المزعج ، اضافة للحجب في شبكة نسيج السعودية – و هي بديل للانترنت – أمور دفعتني للإكتفاء و الإندماج التام في تلك الأرشفة و مشاهدة الأفلام .
كنت اراها واحداً بعد الآخر ، و أكررها في اجازة اخر الاسبوع مع اخوتي ، أقاربي ، أو أحد الاصدقاء .
بعضها شاهدته سابقاً على اشرطة فيديو و أملكه ، لكن رغبت في اقتنائه مجدداُ و مشاهدته بشكل اصفى من جديد .
بعض آخر شاهدته في السينما ، أيام طفولتي أو حين كبرت ، و أحببت أن أعيده مسترجعاً اللحظة و ذكرياتي معه .
جزء آخر كان مرتبطاً بأحداث فترة التسعينات أو موثقاً لها بشكل غير مباشر، فأحدها يحكي عن ” الأستنساخ ” ، و آخر عن جندية في حرب الخليج ، اضافة للقضايا المنتشرة حينها ، كظاهرة العنف من قبل الطلبة في المدارس ، تلاعب المحامين في القضايا ، و شركات التصنيع في الأدوية ، و مدى تعمق الفساد و انتشار الجريمة .
هذه الفترة شهدت ايضا بزوغ الممثلة ” شارون ستون ” ، و دخول بعض عارضات الأزياء لمجال السينما و التقديم التلفزيوني و الغناء ، كان لهن ” سوق ” و جماهير ، أصبحن يُعرفن بالأسم ، و كان لكل واحدة منهن مظهرها الخاص و تركيبتها الجسديه المتفردة .
كما كان للأغاني المصورة ، الحفلات الموسيقيه ، الأفلام الغنائية ، و افلام الرعب و الاثارة ، و الأفلام الكلاسيكية و المشاعر الانسانية و الرومانسية نصيب من رف مكتبتي ، بالأضافة إلى الرسوم المتحركة التي أحب ، و الصادرة من شركة ديزني الشهيرة أو المقدمة من قبل ” شركات انتاج مستقلة ” ، و التي كانت تتميز بأنها قصيرة زمنياً ، و حاصلة على جوائز دولية ، و ليست موجهة للأطفال ، و هي صدقاً الأفلام التي سعدت بأستكشافها ، و أستمتعت بمشاهدتها مراراً ، و أضفت احدها هنا .
كذلك أقتنيت بعض نتاج السينما الأوربية و الآسيويه و كان مميزاً و له أجوائه الخاصة فكرياً و فنياً ، اضافة للقليل جداً من ” الخيال العلمي ” و الأعمال الكوميدية و البوليسية أو تلك التي تتحدث عن ثورة التكنلوجيا و تطرح فرضيات للمستقبل ، و تتخيل عالمنا بعد عام الفين .
كانت اجهزة التشغيل تعمل بنظامين أما أوربي أو امريكي ، و كان الفيلم يُقسم على وجهين – ظهر و وجه الاسطوانه – و احياناً يقدم على اسطوانة أو اثنتين ليحتل ثلاثة أو أربعة اوجه ، و في حال تم وضع الوجه الخالي او الخاطئ تظهر لك على الشاشة ” سلحفاة ” توضح لك ذلك !
حين ظهر الفيديو ذو النظامين ، و القادر على قراءة الوجهين دون أن يتوجب على المشاهد القيام من مقعده لقلب الأسطوانة فوراً اشتريته و كنت سعيداً به .
في هذه الأفلام أحببت التغليف ، و الطريقة التي يقدم بها المنتج في ورق مقوى مطبوع ، بعضه رسم به من الداخل ، و تكتب مشاهد الفيلم مرقمة ، لكل مشهد عنوان و رقم ” ١ دخول بيتر ، ٢ حزن ما ، ٣ لحظة الاعتراف ، .. الخ ” ، هذه التفاصيل مع الصور و العبارات التي تكتب للجذب و التسويق كانت تستوقفني و تلهمني .
من خلالها تعرفت على عبارة ” تو ثمبز آب ” ، و هو كنايه لأبهام اليد الذي يرفع دلالة على جودة الشئ ، و كان هناك برنامج لم اراه في حياتي يقال ان به ناقدين احدهما يرفع ابهامه و الاخر قد يختلف معه ولا يفعل المثل ، لكن حين يتفق الأثنين معاً فهي دلالة على نجاح الفيلم و يزين الغلاف بذلك !
بعض الأفلام كانت منقولة كشاشة السينما مستطيله ” وايد سكرين ” و بعضها اقرب للمربع ” استاندرد ” ، بعضها يزين بتوقيع المخرج ، أو به المشاهد المحذوفه من العرض السينمائي ، أو بها حوار مع النجوم والعاملين مع تعليق صوتي على بعض المشاهد وكيف صورت تماما كاسطوانات ” الدي في دي ” التي اتت لاحقا لكن مع فارق غياب ” قائمة البداية ” التي من خلالها يتم بها الاختيار .
هذه الاعمال التي شاهدت و أحببت لم تزل تحمل بصمات لزملاء افترقت عنهم و مضى كل منا في طريقه ، بقيت لدي رغم مرور الوقت و تبدل بعض الاقارب الذين شاهدوها حيث غدت السينما و الافلام الاجنبية من الأمور التي لا تعنيهم ، دار الزمن و ظهرت بعدها تقنيات حديثه ، متطوره ، و بعض من يراها لدي يتسائل عن فكرة بقائها و هي تعد اليوم عديمة الفائدة !
ربما هي الذكريات ، ربما لأن بعضها اتى لي كهدايا من أقارب أحبهم و أصدقاء ، من أمي و أبي في ظروف ” صحية ” ربما لم تكن سهلة عليهم ، و في ظروف ” مناخية ” لم تكن مناسبة ، و مع هذا اصروا إلا ان يبهجوني رغم برد الشتاء في رحلتهم تلك .
ربما لأني حين الامسها يحملني خيالي لتلك المحلات التي دخلت ، لتفاصيل تلك الرحلات ، و استعيد مشاهد من شريط حياتي لم تحفظ في قرص مدمج و ربما لا تعني أحد سواي .
كانت هذه الأعمال قادره على ايقاظ الذاكرة و استدعاء اللحظة و غمري بإحساس ما ، أشعر به و لكن لا يمكنني أن اشرحه حقا !
غدت و كأنها بديل للصديق ” التخيلي ” الذي كان يسليني في مرحلة الطفولة ، حين تضئ الشاشة تأتي بوجوه عدة ، اسمع احاديث شتى ، و حوارات بلهجات مختلفة ، و اسافر و ازور بيوت لا استنشق رائحتها و لكني اراها ، و اتعايش مع القاطنين بها ، و معهم و من خلالهم تخف الوحدة و تزيد معارفي بلا تخطيط !
اليوم قررت أن أودعهم لأزدحام غرفتي ، فالاشياء الجديدة دائما ما تشق لها طريق ، مقصية ما هو موجود احيانا .
هذا النهار وجدتني مضطرا أن أدفن كل هذه الافلام في ” تابوت أسود ” اشتريته عبر النت ، اودعها به لأخزنها في مكان آخر ، لنفترق حتى اشعار آخر ، به يصبح في المكان مكان لها ، و متسع و مساحة اكبر .
لكن قبل هذا التنائي المؤقت قررت أن أصورها ، جعلتها تفترش سريري ، مجموعة بعد اخرى ، و بعدسة هاتفي اعتقلها في مشاهد ، في آخر المطاف بات عندي ” فيديو ” طويل ، قد يكون ممل جداً لمن يشاهده ، و غير ممتع ، لكنه هنا ” لأجلي ” و لأجل ماضي عشته في حقبة ربما لا يذكرها البعض و ربما لا يعرفون عن هذه التقنية العابرة الكثير .
هو موضوع للذكرى ، و للتوثيق ، به اختزل مشاعر شتى ، و احفظ ارواح فارقتني ، فأخبئها في طي هذه الأسطوانات لتتوارى داخل تلك الأغلفة الكرتونية كجني عملاق استطاع رغم كل شئ أن يسكن مصباح علاء الدين !
في الصورة اعلاه برج مياه و مئذنة صلاة و في الاثنين حياة !
بالأولى يتغذى الجسد و بالثانية تسمو الروح ، التقطت الصورة في مرحلة السبعينات الميلادية بمدينة الرياض .
أنشئ البرج عام 1969 ميلاديه و صممه المهندس السويدي ساوني لينستروم .
بني اعلاه غرفة دائرية ذات نوافذ واسعة ، الناظر من خلالها يستطيع ان يرى اطراف المدينة من جوانب عدة و اكثر من اتجاه .
نشرت هذه الصورة في كتاب ” البوم الرياض / المدينة التراثية و الحديثه ” المنشور في عام 1983 ميلاديه .
و قد قام بالتقاط هذه الصورة المصور كليفتون . أ . فوستر .
احيانا قد ننظر للأخر بعيون يملؤها شعور ما ، و نردد صمتا بداخلنا : ” مسكين ! ” .
نحدث ذاتنا ” هو لا يعي ما خسر ، هو لا يفهم ما نقوله ، هو لا يعي أبعاد سلوكه ، هو لم يُقيمنا بالشكل المناسب ، هو اخطأ في حقنا حين ظن ذلك ، هو .. و هو .. و هو .. ” .
دون أن نتوقف بأنصاف لرؤية المشهد بوضوح ، يُصبح كل منا لوهلة ” أبو مرعي ” ، يملؤنا الإعتداد بالذات و تسكننا العلة !
هذا الخاطر عبر بذهني و أنا أشاهد هذه الأغنية الصغيرة التي أحب ، و تذكرت مثلا كانت تردده اختى الصغرى ملياً حين تعلمته ، مثلا يُضرب فيمن يُعير الآخرين بعيب فيه ، يلقي عيبه عليهم و يتهمهم ، مخرجاً ذاته منه و كل شئ به يوشي بأنه يعتريه ، كان المثل يقول ” ” رمتني بدائها و أنسلت ” !
هذا العمل من غناء الرقيقة جورجيت صايغ و الفنان الكبير وديع الصافي الذي قام بدور ” أبو مرعي ” ، مشاهدة ممتعة و عيد سعيد .
كاريكاتير بريشة الفنان الراحل محمود كحيل ، نشر في صحيفة ” الشرق الأوسط ” الصادرة من لندن يوم الأحد 8 ديسمبر 1991 ميلاديه في صفحة ” رأي ” .
في الأعلى الصورة كما نشرت ، في الأسفل صورة مقربة لمعرفة التفاصيل في رسمه من حيث الظل و طبيعة الخطوط ، اغلب رسومه كانت عادة بلا تعليق انطلاقا من مبدأ ” الصورة وحدها تكفي ” .
كنت في صباحات كهذه أحرص على تسجيل برامج تلفزيون ” سلطنة عمان ” و ” الفضائية المصرية ” ، لأعود و أشاهدها بعد سلام العيد ، و في الليلة السابقة أسجل فقرة ” عرض برامج الغد ” لمعرفة أيها أتابع و في أي الأوقات تأتي .
هنا أضيف عرض لبرامج العيد سجلته من تلفزيون ” سلطة عمان ” عام 1990 ميلاديه الموافق 1410 هجريه ، تقدمه الممثلة ” فخرية بنت خميس ” و به تظهر مقاطع من أغاني و مسلسلات كانت وقتها ذات شعبية و تجذب المشاهد ، منها أغنية نجاة الصغيرة ” يوم الهنا يوم المنى ” ، و التي لم أكن قد سمعت بها من قبل ، شاهدتها لأول مرة في ذلك اليوم ، استمعت لها و سعدت بها جدا ، حتى كادت أن تكون بالنسبة لي ” مفاجأة العيد ” التي لم أتوقعها !
بها بدت نجاة و هي تتفاعل مع خلفيات بها رسوم متحركه و طيور مرسومة ، تماما كما كان يحدث في فوازير نيللي قديما و برنامج فرفشة الذي كانت تقدمه صابرين للأطفال ، هذا الأسلوب الإخراجي لم يكن جديداً بالنسبة لي كمتلقي لكن الجديد مشاهدة نجاة الصغيرة به !
أيضاً من ضمن الأغاني المرفقة في العرض أغنية للفنانة ” نوال الكويتية ” ، عنوانها في شريط الكاسيت ” عمري رحل ” و عرفت لدى الجماهير بأسم ” آه على وقت مضى ” !
صدرت عام 1984 ميلاديه لكنها كانت لم تزل تلقى رواجا رغم مرور الأعوام ، فالأغاني لم تكن تموت سريعاً في ذلك الوقت بل تعيش مع الناس ، من كلمات عبداللطيف البناي و ألحان راشد خضر ، كانت الأغنيات تحديداً هي أكثر ما كنت أحرص على تسجيله و اللقاءات التلفزيونية مع المشاهير في موسم العيد .
في تلك المرحلة كنت أحب هذه القناة – و مجموعة من القنوات العربية – لإحساسي بأن برامجها تتناسب مع تركيبتي و للدقة ميولي ، بعض أغاني و لقاء مع فنان عربي ، رسوم متحركة ، مسلسل ، فيلم عربي أو مترجم ، لم تكن غارقة في البرامج الغربية تماما .
بها كنت أستمتع و أنا استمع للهجات مختلفة على امتداد وطن عربي و بلكنات خاصة ، و في هذا الفيديو تحديداً كنت ابتسم حين تنطق فخريه أسم ” سهير رمزي ” ، و للدقة يدفعني اختلاف نُطق حرف السين في الاسم الأول لذلك ، فتشكيل الحروف عند الحديث يتفاوت من وطن لآخر ، لكن الحرف دائما كان واحد ، و يكتب بشكل واحد ، و يمكننا أن نقرأه جميعا ، كل منا وفق طبيعته و دون اختلاف جذري .
كنت أحب إحساسي بأني أنتمي لهذا الإمتداد دون أوراق ثبوتيه بل بالإحساس فحسب ، و لم يكن يزعجني أن تبهت على لهجتي كلمة من هنا أو هناك استملحتها فباتت جزء من حديثي و تعبر عن ما أود قوله بشكل أدق ، و تفاعلي مع هذا الإمتداد لم يكن من خلال شاشة فحسب ، بل في حياتي اليوميه ، فهناك وجوه و أسماء مرت بي تنتمي ثبوتياً و بالورق لهذا الوطن او ذاك ، معلمين في المدرسة أو البيت ، أصدقاء للأسرة ، موظفين في أماكن شتى ، معارف المعارف ، أصدقاء الأصدقاء ، و في أحيان كثيرة عبر مصاهرة ، بها ” عرق ما ” ينتمي لمدينة اخرى ، يأتي حاملاً ثقافة أبعد عن الثقافة التي تحتويه ، و رغم الإختلاف يبقى تشابه !
كنت أحب ذلك التبادل المعرفي ، حتى في أبسط اشكاله و عبر صنف يُعد و يطهي و يؤكل في التفاف كان يبدو ” عادي ” لكن عند تذكره اليوم أراه فريداً و استثنائي !
و لأني كنت أحب استكشاف تلك الدول عبر أطباقها فقد أحببت برامج الطبخ ، في القناة المغربية كنت أشاهد ” شهيوات شميشه ” و أحب أداء الطاهية شميشه الشافعي به ، كما كنت أتابع السيدة أفنان الزياني في برنامج ” السفرة خليجيه ” و أحببتها ، و قد شاهدتها لاحقا ً ذات صدفة في مدينة ” بوسطن ” الأمريكية – منذ عدة سنوات قريبه – مع ابنتها التي كانت ستتزوج قريبا .
كنت برفقة والدتي و توقفنا لأقول لها ” الله يسامحك ، فلا أحد كان يستطيع أن يُعذبني في نهار رمضان سوى أنت ” ضحكت و تحدثنا سوياً ، ثم مدت لنا يدها و هي تحمل كرت به جميع سُبل التواصل بها و قالت بحب و كرم عربي أصيل ” إذا زرتم البحرين يُشرفني أن تزوروني ” .
أخذنا الكرت و بداخلي أعلم بأننا لن نفعل لمعرفتي بطبيعة والدتي التي قد لا تحب أن تزعج الآخرين ، لكن مع هذا مضيت سعيداً لمجرد قيامها بهذه البادرة ، هذا الأمر أثر بي و منحني إحساس بأن العالم الذي انتمي له و أحبه موجود ، لم يزل بخير كطفل صغير، لكنه يختفي تحت عالم آخر يُشبه غطاء سرير رسمت فوقه خطوط مؤامرات ، قنابل ، انفجارات ، و من الأسلحة شئ كثير ، كُتبت فوقه نشرات إخبارية كطلاسم سحرية ، قادرة على جعل الروح التواقة لحياة تُشبهها تمضي بعيداً ، دون أن تقترب من الآخر ، تنسحب و هي مقيدة بارتيابها ، متوحدة بعزلتها تحت ظلال مخاوفها الكبير .
ذلك الساحر الذي يُفسد كل شئ يزعجني ، يمتلك أشياء كثيرة لكن لا يمتلك كل شئ ، ربما يمتلك المادة السامة التي تُبث في القنوات الاخباريه ، و تباع في وكلات الانباء العالمية ، ساحر يُحدد للجميع ما هو مناسب ، يُخبرهم بما هو حديث ، يُعد لهم الموضة فيتبعونها كالقطيع ، ساحر له سطوة مخيفة في هذا الوقت ، لكنه بالتأكيد لا يملك الشمس ، القمر ، و لا الهواء الذي أتنفسه ، و مع هذا يُضيق الخناق علينا هنا أو هناك ، روحه الشرهة تُشغلها الحياة دون أن يعيشها حقاً ، يعنيه الامتلاك لا المشاركة ، التباهي لا الإحساس بما لديه ، في ظل هيمنة هذا الكائن المتغطرس قد يُذبح مع شياه العيد ” رئيس ” ، و قد تُرهق أجنحة الفرح و تتكسر ، في ذلك الوطن البعيد/ القريب أو ذاك ، و قد يأتي العيد بلا عصافير ، بلا فرح كبير ، لكن المؤكد أن هناك ” عيد ما ” سيأتي .. فهذا ليس الأخير .. عيد به يأخذ كل منا جزاءه ، و يُقيم عطاءه ، بعدالة الهية لا مجال للخداع بها أو التبرير .. في عيد سيكون عيدين .. سينال كل منا حقه و يعرف مكانه و يحصد ما جنته يداه .
في أعماقي أرى غصن ممتد كذراع متعلق في شجرة أمل ، أراه ثابتاً رغم التعب ، ينتظر عصفور عيد كان يتراقص على قبضة اليد في زمن ما ، مع الوقت حاشته غربه و بات بعيد … اليد ممدودة بالدعاء .. تنتظره .. و بصمت لا صوت له تدعو ” اللهم أجعل عيدنا .. عيدا ً” !
– توقيت –
* بدأ الثلاثاء ٢١ مايو ١٩٨٥ميلاديه و انتهى الأربعاء ١٩ جون مكملا ٣٠ يوما *
” مصر و دول اخرى صامت قبلنا بيوم “
ثلاثة
كان هذا الشهر في ذلك العام استثنائيا ..
لم نقضيه مع كافة العائلة بالرياض ، بل قضيناه مع أبي في الخارج ، حيث كان يدرس و كنا نمضي أجازة الصيف معه .
كل منا كان يقضي نهاره الطويل وفقا لما يناسبه – كان يؤذن المغرب التاسعة إلا ربع مساء – أنا و أختي كنا نمضي أغلب الوقت مع جهاز الفيديو ، حيث كنا نقتني الأفلام العربية من محل ” فوتو فيديو ” الكائن في أول شارع ” إيدجوار رود “.
أخوتي الصغار كانوا يذهبون ظهرا بعد الغداء لحديقة ” هايد بارك ” للعب في ساحة الأطفال أو لإطعام الطيور في البحيرة ، بينما كانت والدتي تقرأ القرآن و تعد لنا و لوالدي الأطباق التي يحب و اشتاق لها ، ثم تشاركنا مساء ما نشاهده عبر المتابعة أو الجلوس .
نجتمع على مائدة الأفطار، و يشاركنا الجلوس “مذياع ” أبي ، حيث كان يستمع لبعض البرامج التي تبثها اذاعة ” مونت كارلو “، و المقدمة بصوت سناء منصور أو الفنان حكمت وهبي الملقب بـ “أميجو العرب ” .
في تلك الأجازة المدرسية الأستثنائيه التقيت من خلال جهاز الفيديو بأعمال جديدة لثلاث فنانات ، الأولى كنت أحبها و الثانية كنت أفتقدها و الثالثة بدأت أتعرف على جانب جديد بها للتو !
ذلك الشهر أمضيته مع أسرتي و قضيته مع سعاد حسني .. نيللي .. شريهان !
في البدء شيريهان
أقولها اليوم … و بعد سنوات …
لقد ظهرت في أول فوازير لها كالمجازف الذي يرتدي ” البارشوت ” للقفز من طائرة ..
أتت ” فجأة ” كموهبة أستعراضيه ” مستترة ” فاجأت المشاهد الذي لم يعلم سابقا بأنها تملك كل هذا الكم من الموهبة !
إن الأفلام و المسلسلات التي أدت في السابق – و قبل ذلك العام – لم تُفرد لها مساحة أستعراضية كبيرة .
فلم تكن مثل من سبقوها في الظهور بواحد من أهم برامج التلفزيون المصري ” فوازير رمضان ” .
نيللي كان لها أستعراضات منذ أفلام الأبيض و الأسود ، سمير غانم ظهر كأحد أعضاء فرقة ” ثلاثي أضواء المسرح ” ، كما غني و رقص في العديد من الأعمال ، أما هي فكانت الزهرة التي تفتحت ذات ليلة و الناس نيام !
لم تأتي كفنانة شابة ، مبتدئة ، تتلمس الطريق بأرتباك و تواضع ، بل فتاة ، ثرية ، تملك مقومات خاصة ، لديها شركة انتاج فني ، و قبل كل هذا روح ” هاوية للفن ” و من شدة هواها صرفت عليه – يلاحظ هذا عبر ثيابها المكلفة في هذا العمل تحديدا – عوضا عن أن يكون هو مصدر الدخل لها !
كانت حالة ” خاصة ” شكلاً و موضوعاً ، لذا أشغلت المشاهدين في كافة أنحاء العالم العربي ، من دبي للمغرب ، و من الشام إلى حدود اليمن ، الكل بات يتساءل من هذه الفتاة القادرة على أقتحام حقل شائك ، بثقة ، و قوة ، و دون تردد أو ارتباك !؟ .
في ذلك العام تفاوتت ردات الفعل حولها و حول العمل ، فبدأ الجدل و أستمر لرمضان الذي يليه !
و رغم النقد ” القاسي ” لم تتردد في تقديمها للمرة الثانيه ، و المدهش أن الذين أنتقدوا ملابسها و صوتها ، كانوا أول من جلس أمام التلفاز في رمضان التالي لترقب حضورها و مشاهدتها و لو من باب المعرفة و الفضول !
لقد رسمت ” شريهان ” خطاً جديداً لها عُرفت به ، و من بعدها ” تشرهنوا ” البنات !
غدت الشفاه الممتلئة ” موضه ” و تغيرت مقاييس الجمال ، كما تبدل قالب الفوازير مع قدومها ، فلم تعد الفزورة أستعراض فحسب ، بل غدت مسلسل درامي مصاحب ، أحداثه الخيالية مستوحاة من قصص ” ألف ليله و ليله ” ليصبح العمل عملان .
في السنة الأولى شاركها فنانين كثر ، سواء في المسلسل أو عبر الأستعراضات التي شارك بها مجموعة من مغنين ذلك الجيل ، بعضهم له شهره مثل عمر فتحي ، و بعض آخر يتحسس بداية الطريق مثل عمرو دياب و مدحت صالح و آخرين .
تم اختيار الفنانة ” سهير البابلي ” لألقاء الفزورة ما بين حلقة المسلسل و الأستعراض ، و لأجل هذا ابتاعت ثلاثين قرطاً لترتديهم خلال الشهر ، و ذلك لكونها كانت تؤدي لزمة حركيه تلامس بها أذنها حين تديرها للجماهير و هي تحدثهم و كأنها تقول لهم بلغة الجسد ” أسمعوني صوتكم ” !
كانت قصة ذلك العام تدور حول ” عروسة البحور ” التي تفقد صوتها لتصل لحبيبها الأمير “ نور “ ، و التي قدمتها لاحقا شركة “ديزني “ للرسوم المتحركة في التسعينات و تحت عنوان “ الحورية الصغيرة “ .
كنت في ذلك العام من الحزب ” الرافض ” لها – لتولعي القوي بنيللي – و أذكر في تلك الفترة بأني عشت ” حالة غريبه ” !
أبدي رفضي و حين تأتي أكون من أول الجالسين بل و أعيد الفزورة أكثر من مرة و احفظها !
مع المشاهدة شعرت بأن انتاج تلك الفوازير اتجه ” ماديا ” لمستوى أعلى ، بدءًا من الملابس و حتى المجاميع الراقصة ، و لا أدري لم ربطت “ داخليا “ بينها و بين الفيلم الراقص الشهير ” بريك دانس ” الذي عرض نهايات ١٩٨٤ميلاديه !
ربما لكوني فوجئت بها و هي تؤدي بعض حركات الرقصة و لمدة ثواني في المقدمة و بشكل منفرد ( الموجود في الصورة أعلاه ، تحديدا بالمنتصف ) حيث تقف و بجوارها مصمم الرقصات “حسن عفيفي” ، و حولها الراقصين يجلسون أرضاً ، شعرت حينها بأنها تواكب ما هو حديث و منتشر على الصعيد العالمي و تضيف له ، لمست هذا حين ألحقت ادائها الغربي بهزة ” شرقية ” خفيفة لتتناغم مع الموسيقى، في طفولتي أحببت هذا الجزء الذي بدا تلقائيا و كان يدفعني للأبتسام !
مما أحببته ايضا في تلك الفوازير استخدام موسيقى ” شهرزاد ” العالمية و تقديمها بايقاع حديث – يشابه ايقاع ذلك الفيلم – مع فارق وجود الآلة الشرقية التي حين أسمعها اليوم أغرق في حنين جياش لذلك الزمن و لتلك الأوقات الهاربة .
مشهداً بعد آخر شكلت لها في ذهن المشاهد – دون أن تدري أو نعلم – خط استعراضي خاص بها ، تتحرك به ما بين اداء ” الجواري ” الأندلسي ، و بين الايقاع الغربي بحيويته ، و انسيابية ” الرقص الشرقي ” الصميم ، لقد كانت مختلفة ، مدهشة ، بكلمة أقصر كانت ” شريهان ” !
مما تبقى في الذاكرة و من الأخبار التي نشرت في المجلات الفنية حينها ، أن من وقع عقد بطولة تلك الفوازير عوضا عنها والدتها السيدة عواطف هاشم نظرا لأنها في ذلك الوقت لم تكمل السن القانونية !
و قد أخذتها قبل بدء التصوير لرحلة ما بين لندن و باريس لشراء ملابس للعمل ، ثم اصطحبتها بعد انتهاء تصوير آخر حلقة في رحلة أستجمام و عمل الى الشرق الأقصي ، و بالتحديد سنغافوره ، للأطلاع على التقنيات الحديثة المستخدمة في تجهيز المسارح الأستعراضية ، فقد كان حلمها بأبنتها كبير ، مسرحاً يحمل اسمها ذات يوم ، و حاولت فعليا منذ ذلك الوقت و مرارا ان تحققه لكن في كل مره كان الأمر يتوقف لسبب ما .
مما اذكره ايضا أن دائرة تلفزيون مصر أعلنت رغبتها في بيع قسم كبير من الملابس التي اعدتها لممثلي و ممثلات الأعمال التلفزيونيه ، من ضمنها ملابسها في المسلسل – بناء على اقتراح من السيدة ” وداد بشير / رئيسة قسم الازياء – و عبر مزاد علني ، حين سُئلت شريهان عن الأمر ، و إن كانت ترغب بالاحتفاظ بشئ ما ، قالت بأنها سوف تحتفظ بكل الملابس التي ظهرت بها كذكرى غاليه عليها ، فهي ذكرى ظهورها لأول مرة في الفوازير ، لذا دفعت من الأجر الذي تقاضته ثمنا لهذه الملابس !
كل هذا الاصرار على النجاح منذ البداية ، و الأجتهاد البادي في عملها ، و تقدم مستواها عام بعد عام – في العام التالي قدمت فيلم “الطوق و الاسورة ” حصلت به على جائزة – أجبرني لاحقاً أن أتوقف صادقا مع نفسي و أنصفها كموهبة متميزه ، منفردة في مجالها، محلقة بتكوينها الخاص خارج السرب ، لقد كانت بعفوية و عبر هذه الفوازير و ما تلاها تُكرس ذاتها ” أيقونة ” جميلة ترمز لفترة الثمانينات التي كانت هي نجمتها بدون منازع .
تواجد خاص ..
كانت نيللي في تلك الفترة تعيش في بلاد الضباب ، حيث أنتقلت لتعيش مع زوجها خالد بركات منذ وقت ، و قد تمنيت في ذلك العمر الصغير أن أراها صدفة ذات يوم ، و وجدتها ” ذات صدفة ” على غلاف شريط فيديو جديد وضع جانبا في محل الفيديو ، فيلم وصل للأسواق العربية هناك و لم أسمع عنه لكونه صور ليعرض على جمهور التلفزيون المصري في ذلك الشهر و لم يكن عملاً سينمائيا .
أسمه “ اثنين على الهواء ” و به قامت بدور مذيعة في برنامج أطفال ، تترمل ثم تنطوي معتزلة الحياة العملية و الناس لتكرس حياتها لأبنتها التي تصاب بمرض في القلب فتلتقي بطبيب ( كرم مطاوع ) يمر نفسيا بظروف مشابهة و يحاول كلاهما من جديد أن يبعث الحياة بداخل الآخر ، كتب القصه و السيناريو والحوار و اخرجه الرسام يوسف فرنسيس .
ربما لا أذكر تفاصيل الفيلم بشكل دقيق ، لكن المؤكد أن الأستعراضات التي كتبها الراحل صلاح جاهين في هذا الفيلم هي أكثر ما بقي في ذاكرة المشاهدين الذين استبد بهم الشوق لها .
كان الأستعراض الأول بعنوان ” التورته ” و تقدمه في برنامج الأطفال موضحة من يساهم بأعدادها لنا، و استعراض آخر بعنوان ” عصفورة العصافير ” تؤديه مع ابنتها في الفيلم قبل ذهابها للمدرسة ، و هذا الأستعراض تحديدا كان بمثابة قطرة الماء التي روت ظمأ معجبيها ، فمن خلاله كانت نيللي التي يعرفون و يحبون ، و التي تميز استعراضها بالابتكار و خفة الدم عبر حركات خاصة تؤديها بمرح طبيعي ، مثل تمزيق صفحة من مجلة ما و استخدام الوجه المنشور بها كقناع ، استخدام غطاء الأباجورة الكبيرة في شرح قصة السلحفاة والارنب ، حركة الذراعين و اليدين و رشاقتها هي تردد كلمة ” فيونكات ” اضافة للتلاعب الصوتي في ادائها عند الغناء .
في هذه الصورة هي تجلس مع المبدع الراحل صلاح جاهين و حرمه السيدة منى قطان التي مثلت دور صغير في فيلم ” خللي بالك من زوزو ” ، أضافة لأعمال قليلة ثم اعتزلت التمثيل تماما .
هنا يجلسون في استراحة اثناء التصوير داخل الاستديو ، و تبدو نيللي بنفس الملابس التي لبستها في ذلك الأستعراض ، الذي أحببته و لم يمل اخوتي ” الصغار ” من اعادته على جهاز الفيديو ليلاً و نهار .
مفاجأة أسعدتني ..
ذات مساء و قبل بداية الشهر بليلة ، عاد أبي و مد لنا – أنا و أختي – كيساً به مسلسل ” هو و هي ” كاملا َ !!!
ذلك المسلسل الذي كنا نقرأ اخباره منذ عام ١٩٨٤ و كان من المقرر أن يعرض في رمضان سابق ، ذلك العمل الذي نشرت حوله أخبار كثيرة كنا نتابعها خلال تلك الفترة .
في البدء كان الحديث عن ” الأجر ” الذي تقاضته الفنانة الراحلة سعاد حسني في أول ظهور تلفزيوني لها و الذي تحول إلى ” قضية ” !
فقد أثار العديد من المشاكل أمام المخرجين الذين كانوا يحاولون في ذلك الحين استقطاب نجوم السينما لشاشة التلفزيون ، و أزعج بعض الفنانين مثل القديرة ناديه لطفي التي تحدثت بشكل واضح و مباشر مع ” الجهات المعنية في التلفزيون” ، موضحة أن أجر سعاد لا يزعجها ، بل ما يزعجها هذا التفاوت في التقدير من قبل التلفزيون و هي تود أن تفهم فقط السبب ، فأوضحوا لها بأنها تأخذ الأضافة لكونها ترقص و تغني في العمل .
هذا التبرير لم يقنعها فأنسحبت من مسلسل ” دعوة للحب ” للمخرجة عليه ياسين ، و لم يقنع الفنانة شاديه التي أعتذرت بدورها من المخرجة انعام محمد علي ، كما أوقفت نجلاء فتحي مفاوضتها مع التلفزيون حول أستكمال الجزء الثاني من مسلسل ” الف ليله و ليله ” ، حتى نجوى ابراهيم ابنة التلفزيون أعتذرت للمخرج رفعت قلدس عن مسلسل ” بنت السفير ” !
و غدا هناك حاجز يقف حائلاً دون تنفيذ العديد من الأعمال الجديدة بالأبطال الذي يودهم المخرجين ، حاجز اسمه ” أجر سعاد حسني ” ، ذلك الأجر الذي لم يتجاوز أربعة الآف جنيه عن الحلقة ، و الذي لا يقارن بأجور هذه الأيام و مع هذا كان يُعد إلى اليوم و وفقا لذلك الزمن أعلى أجر دفعه التلفزيون المصري لبطلة في مسلسل تلفزيوني .
بعد ذلك تعرضت سعاد لحملات مباشرة و غير مباشرة ، و عبر أكثر من جهة ، في البدء استمرت الصحف بالحديث عن أجرها و عن هذه الموضوعات و سواها ، ثم باتت تضيف المزيد ، مرددة أن سعاد تكبد التلفزيون – و هو جهاز حكومي – خسائر عديدة ، يتحدثون عن تأخرها في تصوير العمل ، رفض أحمد زكي و كافة فريق العمل بالتعاون معها مرة اخرى ، تدخلها و وسوستها الزائده و حرصها المبالغ به و المزيد من الأخبار التي تتهمها و تسئ لها و للعمل قبل ظهوره .
عندها أبدت بهدوء و بصدر رحب – للجهات المعنية و للصحافة – عدم ممانعتها بايقاف تصوير باقي الحلقات – خاصة و انها غير مترابطه ولن تؤثر بما تم تصويره – إن أقر الجهاز الحكومي بتلك الخسائر ، مضيفة بأنها و حسب علمها و من الأرقام التي قرأت تعلم أن المسلسل قد تم بيعه بأرقام فلكية و تسويقه قبل التصوير بأضعاف أضعاف ما تمت تكلفته حتى الآن و بالتالي هي لم تكبد أحدا شيئا .
فُسرت ” ردة فعلها ” هذه من قبل الصحف على أنها تهديد و استمروا في قول الكثير ، الذي قابلته سعاد بصمت ، محاولة التركيز في الشخصيات التي ستؤديها ، منصرفة لفهم العمل بمجال التلفزيون الجديد بالنسبة لها ، مخفية انزعاجها مما تمارسه معها الصحافة تحت ستار التجاهل ، لكن آخر ما توقعته أن تُستدرج لحرب اخرى مع نقابة الموسيقين !
تلك النقابة التي أخذت تبالغ في ” تفسير ” أحد قوانين نقابة المهن الموسيقيه ، لتحصل على جزء من أجرها و أجر سواها من الفنانين !
تحديدا ذلك البند الذي تمنح احدى مواده ” مجلس النقابة ” اعطاء ترخيصات مؤقته بالغناء لغير اعضاء النقابة استنادا لأسباب عديدة ، على ان يدفع من يُمنح له الترخيص نسبة 20 ٪ من اجره لصندوق النقابة ، و بناء عليه أعترضت النقابة على اداء سعاد للأغنيات في المسلسل دون الحصول على تصريح !
هذا الأمر دفعها للأحتجاج ، موضحة بأنها تغني بحكم الدور ، و لم يكن الغناء العنصر الرئيسي في العمل ، وقتها اقترح عليها البعض أن تنهي الموضوع بسهولة ، و ذلك عبر انضمامها لنقابة الموسيقيين حتى تعفى نفسها تلك الأجراءات و تنهي الجدل ، لكنها رفضت بأن تتهم بتحايلها على القانون ، فهي تعلم و ترى الكثير من المطربيين و المطربات يمثلون دون اعتراض من نقابة الممثلين ، و انها ستستمر في حملتها الاحتجاجيه على تعسف النقابة ، الى ان تحصل على فتوى قانونيه تؤكد بأن من حق الممثله أن تغني في العمل ، فمن غير المنطقي أن تسلب النقابة 20 ٪ من اجر الممثل على العمل التمثيلي لأجل أغنية هنا أو هناك لا تتجاوز مدتها دقائق معدوده ، و لكي تبدو النقابة محايدة اعترضت ايضا على غناء شريهان في الفوازير و على سهير المرشدي في مسرحية ” ايزيس ” !
كانت الاخبار لا تنتهي ، و الاحداث تتصاعد ، و القصص كثيرة ، لكن سعادتي كانت أكبر و انا أمسك تلك الشرائط المغلفة بين يدي ، كانت النسخة أصلية ، مغلفة و مباعة من شركة ” فؤاد انطوان ” الذي أشترى حقوق توزيع الفيديو في أوربا و دول اخرى ، و قد نزل في محلات الفيديو هنا للبيع لا للإيجار و بكميات محدودة .
ليلتها شعرت بترف ما ، فبينما كان الكل سوف يشاهده – في الدول العربية كافة حتى مصر – حلقة بحلقة و يوما بيوم ، كنا نشاهده أنا و اختي كاملاً و قد انهيناه في يومين .
احببنا فكرة العمل في ذلك الوقت لكونها مختلفه عن المسلسلات الاخرى التي تُعرض ، فالأحداث في تلك الأعمال متصلة و مترابطه ، نرى من خلالها قصة واحده على حلقات بها كل مشهد يكمل الآخر .
أما هذا العمل فكانت حلقاته منفصلة ، كل واحده مسلسل بحد ذاتها، كما أن بيئة الأحداث تتجدد ، فتارة تدور بالريف ، و اخرى المدينة أو القرى ، في المدارس أو الحارات الشعبية ، داخل قصور الاغنياء أو في بيوت البسطاء ، و كانت سعاد طوال الحلقات تقوم بدور ” هي ” المتجددة في كل مرة ، و كان الراحل أحمد زكي دائما ” هو ” في كل شخصية جديدة .
اختصرت سعاد فكرة المسلسل في أغنية المقدمة و هي تقول : ” دي حكاية جديدة يوماتي ، من حكايته و حكايتي ، مالهاش دعوة اطلاقا ، بالماضي او بالآتي ” .
العمل مستوحاة من صفحات ألفتها الكاتبة ” سناء البيسي ” ، أخذها و عالجها دراميا و أخرجها يحيى العلمي ، بينما كتب لها السيناريو و الحوار و ألف الأغنيات الراحل صلاح جاهين .
التلحين تم توزيعه بين الموسيقار كمال الطويل و الفنان عمار الشريعي ، و الاستعراضات صممها كمال نعيم ، أما التمثيل ففي كل حلقة يشاركهم أسم شهير و في دور جديد بكل مرة ، من الاسماء التي شاركت الراحل حسن عابدين ، و الفنانة تحية كاريوكا – التي أحببنا صدق ادائها و تجددها الفني البادي في أكثر من حلقه – اضافة الى ابوبكر عزت ، انعام سلوسه ، محمود الجندي ، وداد حمدي و اخرين .
هذا العمل بكل أغانيه و كل مافيه كان مصدر سعادة حقيقة لي ، حرصت والدتي على متابعته معنا ، و أحببناه لإيقاع حلقاته السريع ، المتدفقة دون مط أو تطويل ، و المبتعدة عن البكاء و العويل رغم الدراما التي قد تحتويها .
كان خفيف ، متنوع ، و ممتع لحد كبير – على الأقل بالنسبة لنا – و يعد في وقته تجربة خاصة و عمل سابق لوقته ايضا .
شاهدته أنا و اختي مرارا و تكرارا و قد ابهجنا في ذلك الشهر و لسنوات اخرى عديدة .
نظرة سريعة
حين التفت للوراء و أرقب ذلك الشهر ، اجد أن الوقت الذي يفرق الناس قادر على أن يجمعهم في وقت واحد و دون ترتيب أو تخطيط ، اتوقف امام قلبي الصغير و فهمه المحدود للولاء في ذلك الحين و ارتباطه بالرفض و التعنت !
– مثل تردده أمي –
.” القلب دكان و لكل واحد مكان ” .
مشاركات وانطباعات واراء الزوار