مرحلة لا أفهمها

29dec2015ddهذه الصورة قد تبدو للبعض عادية ، لكنها عندي غير طبيعة ، أو منطقية . بها طفل يرتدي عقاله ، يختلف عن باقي زملائه ، و يفتح فمه و كفيه مكتوفتين فوق بعضهما ، كأنه مصابٌ بشلل ما ، يطعمه المدرس ” وجبة ” لم يحضرها  الطالب من منزله ، بل هي صحن حلوى جاهز و مغلف مثل الذي يشتريه الأغلبيّة  في المناسبات  ،  و يتم إهدائها لأجل الإهداء فحسب .

الطلبة بالخلف يشاهدون ، لا يطعمهم أحد ، و نحن نشاهد صورة فيها تسطيح لمعنى الحنان  و العطاء ، بها خلل في مفهوم اللطف و العطف على الصغير ، و فيها ارتباك كبير … فأين احترام الصغير للكبير !!!؟

و أين احترام ” الصفّ ” و ” الحصة ” و ” الأمانة ” في التعليم !!؟

و لم كل هذا ” التبييض ” للصورة ، و محاولة إسباغ  لمسة إنسانية لتلك اللقطات التي أقلّ ما يقال عنها “لقطات مفتعلة” ، لكونها تحوّل مناخ تعليمي قائم على الانضباط و العطاء وفق وقت محدد و منهج معين ، لإهدار لا ينتهي و “استظراف” و “استغلال” لوقت من المفترض أن يصرف على تعليم الطالب لا على رسم صورة كاذبة  للمعلم ، فإن كان هو كذلك فعلا و يقوم بهذا الأمر بصدق و حب ، فإنه يقوم بما لم يُطلب منه و في وقت لم يخصص لهذا الأمر و في هذا “خيانة” لا يبررها حسن النية ، فهو يستقطع جزء من وقت  الفصل الدراسي و يصرفه في أمور لا تعود بالنفع و لم ينزل الله بها من سلطان ، لكن ما يجعلنا نستبعد “حسن النية” هو الإصرار على هذا التصوير ، و توثيقه ، و من ثم نشره على صفحات الإنترنت ، و كأن كل معلم بات “زعيما سياسيا” يبيّض صورته ، و يقوم بالدعاية لنفسه ، و يبحث عن شهرة ما ، مستغلاً أبنائنا و مستخدما وقتهم الذي خصص للعلم فيما لا يسمن أو يغني من جوع ، يحوّل الناشئة إلى “كومبارس” و الفصل إلى “إستديو” و يعيش “تمثيلية” هو من يخرجها و يكتبها و يتصدر بطولتها !!

حين رأيت هذه الصور فكرت ، هل اتهمهم أحد بعنف ما ، هل هناك قصة حدثت و لم ألمّ بها ، ما هذا السلوك الذي انتشر بين المعلمين ، و الصورة تلي الصورة ، لكن عادت بي الذاكرة إلى مشهد قريب ، به يتحرك رجل بدافع إحساسه بالمسؤولية و بصفاء “نية” بين السيارات و باب المدرسة ، يمسك بيد الطالبات الصغيرات ليقطع بهن الشارع ، دون اكتراث لأي شئ سوى الإحساس بالأمانة ، بناء على هذا الصدق تفاعل معه أحد أولياء الأمور و صوّره – دون أن يدري – ليصبح ” حارس المدرسة ” عنوان لتغريدة استمرت لوقت و وصلت للمعنين و تم تقديره نتيجة ” للضغط الشعبي ” من الناس و إشادتهم به و إكبارهم لسلوكه .

لم يسعَ  لشئ ، لم يدر بخلده و هو يتحرك أن الأمور ستذهب لهذا المنحى ، هو فقط يفعل ما كان يفعله منذ سنوات و بإخلاص و منذ أن كان حارساً للمدرسة ، و باغتني سؤال ” هل هؤلاء المعلمين يحاولون تكرار التجربة !؟ ” .

إن كانوا فقد ضلوا ، لكون الرزق ، الحب ، و كافة هذه الأمور تأتي وفق نقاط أساسية ، في البدء صفاء النية ، لكون “النية مطية” و ثاني شئ ” إحساس الآخر بها ” فالقلوب شواهد ،   تشعر و تستشعر مدى صدق أو زيف ما يمر عليها ، و هنا ” لا صدق ” شعرته ، و لا ” إحساس ” طبيعي استشعرته ، فقط ” تمثيلية ” سياسية ، كالتي تنشر في الجرائد اليومية ، بها يتم تلميع هذا الشخص أو  ذاك ، و لكن للأسف و بكل وضوح أقولها ” السطور لا تصنع بطلاً من ورق و لا الصور …  و قلوب الناس ليست جدارا يدهن و ينطلي عليه اللون .. هي قد تبدو لوهلة أشياء بسيطة .. لكن حتى أكثر الناس سذاجة يملك حدسه الخاص ..  فيتوجس .. و يكش ..  و لا يستلطف ” .

كما أن هؤلاء الاشخاص يؤثرون بسلوكهم الفردي الذي فعلوه على قطاع كامل ، و يغيرون بشطحتهم هذه صورة المعلم و دون إضافة له ، بل انتقاص من وعيه بطبيعة الدور المناط إليه  و من معرفته بقيمة الوقت و من فهمه لأمور و قيم كثيرة ، كما أن هذا الأمر قد يربك بعض أولياء الأمور ، فكيف لي أن أرسل ابني لمكان و لأجل هدف محدد ، فأجده في غرفة الإدارة يجلس على مقعد قد جلست به ذات زيارة ، و أمامه حافظة طعام و المعلم يأخذ منها و يطعمه وحده من بين الطلاب ، و لماذا ابني بالذات !!؟

و بأي حق أيضا يقوم هذا المعلم أو ذاك ، بتصوير طفل من الأطفال داخل الصف و يستظرف عليه ، و من ثم ينشره على اليوتيوب دون أن يظهر  هو ، و يجعل من ” روح تشعر ” و ” شخصية تنمو و تتكون ” مادة عامة تثير الضحك و قد يستخف بها الناس !!؟

هذه الصورة ستبقي شاهدا على مرحلة لا أفهمها ، بها تحوّل الصف إلى قاعة أفراح ، و المدرس إلى ” صبّاب ” قهوة ، و الطالب عوضا عن أن يكون متلقيا للعلم ، بات متلقيا ” للفيلم ” و يرقبه دون أن يعي ما الذي يحدث ، و لم كل هذا اللطف ، و ما هي الأسباب ، يأكل فحسب و يبتسم ببراءة ، لكونه يدرك تماماً بأن ما يحدث حوله من أحداث لطيفة  هو  ” أمر طارئ و مؤقت ” ، و بأن الجرس سيقرع في وقت ما ، و سيمضي كل منا في حال سبيله ، و ستنتهي الأشياء و يبقى الأثر .

29dec2015iiddddاضافة :
+ عن و حول حارس المدرسة الذي ساعد الطالبات  في صحيفة سبق .

~ بواسطة يزيد في ديسمبر 30, 2015.

2 تعليقان to “مرحلة لا أفهمها”

  1. أعتقد أنه من الخطأ أن تحكم على شخص من صورة ولو أن الصورة ظاهرها يحكي سذاجة أو محاولة لكسب تعاطف أو اعجاب. ما يدريك إن كان هؤلاء الظاهرين في الصور قد طلبوا تصويرهم أم لم يطلبوا ذلك؟ لا تدري، لعل هؤلاء الاشخاص الظاهرين في الصور أناس خيرين ومحبوبين من تلاميذهم وانما شاءت الظروف وضعهم في هذه الوضعية في هذا المكان وقت التقاط الصورة، مثلا في الصورة الاولى ربما كان المدرس قد قام بنفس هذا العمل لجميع الطلبة باعطاءهم قطع الحلوى وحصل أن أحدا ما شاء ان يلتقط صورة لما يحدث وعلى سبيل الدعابة قام المدرس بوضع الحلوى في فم الطالب، وفي الصورة الاخرى ربما كان الطفل هو ابن الشخص الذي يقوم باطعامه، وفي الاخيرة ربما قام احد الطلبة بالتقاط الصورة بدون علم المعلم او بعلمه.. قصدي هو أننا لا نعلم – بشكل قطعي- حيثيات ما جرى خلف الصورة وأيضاً لا نعلم أي شيء عن الأشخاص الظاهرين في الصورة وأننا جانبنا الصواب إن نحن حكمنا عليهم من دون تثبت. إذا لم تجد عذرا لأخيك، ضع عذراً من عندك حتى تتيقن بشكل قطعي أن ما قام به هو حقاً ما ظنناه، عندها يحق لك تقريعه أو نصحه بما تشاء.

    ربما يكون كلامك صحيحاً تماماً ولكن أحببت أن أبدي رأيي الذي أرجو أن تتقبله بصدرٍ رحب، كما عهدناك.

    تحياتي…

    • بالتأكيد اتقبله و اتقبل أي رأي .. كرأي و دون نقاش !!
      لأيماني بأن النقاش ” في القناعات الخاصة ” و النابعة من ” احساس ” و عاطفة ما ..
      عند استمراره و بعد نقطة معينه قد يعد ” جدل ” و هدر لطاقة الطرفين ..
      ما رأيته و شعرت به كتبته و ما شعرت به أنت لن يضيق به المكان أو المدى ..
      و شكراً لاضافتك ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: