حين نمتلئ بالضجيج نحاول أن نحيط ذاتنا بالسكون فنمضي إلى العزلة .
نتصور بأننا سوف نتأمل المشهد و نحلل كل ما كان و من ثم نعود إلى حياتنا التي نعرف ، و حين نفعل قد نجد ذاتنا أمام قدرين ، الأول المضي في عزلة أطول و هروب أكبر و انسحاب يبدأ بشكل تدريجي و من ثم يُصبح شبه كلي ، و القدر الآخر أن نقرر العودة للحياة التي نعرف فنجد أن أبجديتها تغيرت و اللغة المتداولة رغم فهمنا لها باتت غريبة علينا و غير واضحه و قد تدفعنا لعزلة أكبر .
كم من التعقيد قد يكون بداخلنا ، يُغزل على مر التجارب و الأيام ، خريف بعد آخر ، فنصبح هشين كورق الشجر المتساقط القابل للكسر بسهولة و القادر على الإستسلام للريح بمنتهى الهدوء و الضعف .
يركب الريح و يمضي معها أينما اتجهت ، يعلو و يهبط دون أن يرتعش من الداخل ، فالجفاف الذي اصابه منحه قدرة على عدم المقاومة أو الشعور ، و أعطاه رغبة دفينه للمضي إلى النهايات بصدر رحب !
نغدو بمرور السن أتباع ، نختار أفراد نثق بهم و نعلم في أعماقنا اننا ايضا لن نأمن فضولهم أو شرهم ، نتكيف معهم و نتبعهم تماما كظلهم ، و هم بدورهم يتبعوننا رغم الآراء البادية و المواقف المتبدلة و الخلافات القصيرة ، كل منا يرتدي عباءة شخصيته التي يحاول أن يغزلها بالمتبقى من المعارف التي تلقي و تعلم ، و نحيا في دائرة ضيقة و صغيرة ، رغم السفر و التنقل و السياحه و الترحال نظل في هذا الإطار المحدود و برضا تام ، لتصبح العزلة شبه جماعية ، و يُصبح هذا المجتمع الصغير الذي تكون أحد أفراده هو بعضك و أسرتك و المرآة الدائمة التنقل معك و الميزان الذي تقيس عليه الأشياء ، لذا تكبر مساحة الغربة بغيابهم ، و رغم زيادة الهدوء عند عدم وجودهم يصيبك اضطراب و عدم قدرة على تحمل هذا السكوت القاتل إن طال ، فأصواتهم باتت شئ يومي يعكس فكرة الحياة ، شئ أشبه بأصوات السيارات أو الطيور خلال ساعات الليل أو النهار .
معهم قد نمتلئ بضجيج آخر نسعى له ، و نصبح مع الوقت أشخاص آخرين ، نشبه أنفسنا ، و لكي نستمر فلا بد من بعض تكيف يتبعه بعض تأثر لنصبح بمرور الزمن قادرين على تقبل أشياء كنا نرفضها و تجربة أشياء كنا لا نحبها و التعود على أشياء كنا نمقتها بدءا من اختياراتنا في الطعام ، إلى ذوقنا في الثقافة و ما نشاهد أو نتابع ، وصولاً إلى الموضوعات التي نطرحها و نشارك بها .
بين حد العزلة الفردية و الجماعية و بين بوق الضجيج المزعج و السكون القاتل نعيش ، نتنقل كلاعبي السيرك على حبال كثيرة و نحاول أن نتجاوز الوقت و أحياناً أنفسنا و الآخرين ، نغرق في الصباحات التي ندفع ذاتنا لها دفعاً ، و في البال ندرك اننا قد نتلقى وردة بلا سبب أو طعنة سكين ، فهي الحياة الغير خاضعة للتوقع رغم كثرة توقعاتنا ، و هو العمر الذي قُدر له أن يُسرع كقطار ، دون الوقوف في محطات أحببناها و شعرنا بها بالأمان ، يجب أن يمضي و لا بد أن نركب ، و في مقاعدنا نرقب السنين و هي تطوى في كل محطة ، دونما حراك ، عبر النافذة نلمح اشياء كثيرة حلمنا بها و باتت في أيدي الآخرين ، و نرقب اشياء كانت في أيدينا و تسربت منا ، نعيش … كما كُتب لنا .. لا كما نريد .. و إن تخيلنا ذلك !





















مشاركات وانطباعات واراء الزوار