في مثل هذا اليوم رحلت و بقي علمك حتى اليوم .
مواكبا و مستمرا و مليئا بالصواب الذي لا يصبح مع مرور الزمن خطأ كونه علم مستمد من ايمان عميق و مرتبط بشريعة و دين و كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
على مائدة الافطار كنت معنا و لأكثر من رمضان .
وخلال العام تضئ لنا ايام الاسبوع بنور و هدايه .
وفي ذلك العمر الصغير كنت اسمعك ولا استمع لك .
امضى متحركا و التلفاز مضئ و وجهك الطيب على الشاشة
واهلي يصغون لك .. وانا مع الاطفال الآخرين نلهو و نلعب .
حين كبرت و قرأت لك و شاهدت بعض حلقاتك تمنيت أن املك باقي الحلقات وادركت ما اضعته طويلا و كان لي به فائدة في الدنيا و الآخرة .
و لأن الله كريم فقد اكرمني بوالد علم رغبتي هذه و اتى لي بما يستطيع من الحلقات .. لأغرق معك حينها و اصر على اقتناء كافة كتبك لتأتيني بالبريد من جدة الى الرياض في صندوق من الكرتون المقوى غلف جيدا و حمل في أعماقه ما يفوق ثمن شحنه وشرائه بملايين المرات و كان ذلك قبل سنوات عديدة من انتشارها في الرياض و توفرها عبر معرض الكتاب و المكتبات .
بعد القراءة اعدت طلب هذه المجموعة مرات اخرى … لتصل من جديد و بداخل صناديق مغلفة .. كل مجموعة على حدة .
فقد اهديت اخوتي و العديد من احبتي هذه المجموعات القيمة و المفيدة ، متمنيا من الله ان تكون في ميزان أعمالي و أعمالك .
لم اشعر ذات يوم انك شيخ فالحاجز الذي يوجد بين عباد الله والشيوخ متلاشى معك .
و لم اشعر انك استاذ أو معلم ، فأنت اكثر مرونة و دفء من ذلك الدور و اوسع علما .
لكن شعرت مليا أنك قريب لي كجدي .. كأحد افراد الاسرة .. مع اختلاف مهم و هو الثقل النوعي الذي تحمله من علم متنوع و هدوء في الصوت و قدرة على الوصول للآخر بلا صراخ أو استعراض أو تشنج .
اضيف اليوم حلقة لك تتحدث بها عن جماليات التصويرالفني بالحديث النبوي .. تتسأل بعد أن ابديت اعجابك في ما كتبه سيد قطب عن التصوير الفني في القرآن ” لماذا لا يتقدم أحد الادباء فيكتب عن التصوير الفني في الحديث النبوي ؟ ” ، ثم تفترض اجابة اتت على شكل سؤال قد يطرحه المجيب .. لتسترسل و توضح بعدها .. متنقلا بنعومة ما بين نقطة و آخرى دون أن نشعر بذلك .. و دون ان نحس بأن زادك من العلم قد ينضب او يجف .. نرى في تدفقك عطاء نهر .. وفي لهجتك الفصيحة تتوارى روح سوريه احببناها من خلالك .
من بعض ما قيل في تلك الحلقة و احببته عبارة قلت بها : ” الحرية الفردية ليست مطلقة اذا كان استعمالك لحريتك الفردية يؤذي المجموع تمنع منه ” .
في هذه الحلقة كنت القيت الضوء على حديث للرسول محمد صلى الله عليه و سلم يُشبه المسلمين في توادهم و تراحمهم كالجسد الواحد .
و في لقاء أخير تم معك قبل رحيلك على قناة اقرأ كان الحديث ذاته هو محور حديثك .
لا أود أن أقول ربما حال بعضنا اليوم لا يسرك .. و بأن هناك الكثير الذي تبدل من بعدك .
لكن رحمة الله واسعة و له دائما حكمة في كل شئ .. و لحظة الولادة و المخاض هي دماء كثيرة .. بلونها الأحمر المتدفق تعكر صفاء المفارش البيضاء .. لكنها لحظة يأتي بعدها كائن جديد .. أحيانا نعقد عليه امال كثيرة .. و نتصور أشياء أجمل .. و في اغلب الأحيان ينتهى المطاف به ليصبح كائنا شبيها بنا فحسب .. احيانا قد يكون اسوء منا .. و في حالات مميزة وخاصة قد يكون مثلك .. يفوقنا باشياء كثيرة و يتضح هذا بمرور الأيام و السنوات .
و التي بمرورها بعد رحيله نشعر بافتقاده اكثر .. و ندرك مدى حاجتنا له في ظروف معينة و كثيرة !
رحمك الله رحمة كبيرة و وسع لك في قبرك و لوالدي و لجميع موتى المسملين وجمعنا بكم في دار خلود و بقاء .
واخيرا ثق بأنك موجود معنا رغم غيابك .. و عملك الصالح ماض فينا .. فأنت موجود رغم عدم إعادة القناة الاولى لحلقاتك و عدم اذاعة الكثير من اعمالك .. موجود في سطور كتبك و التقنيات الحديثة .. مثل يوتيوب و تويتر .. و ذلك لانك و بالصدق وحده و حُسن النية .. بقيت في قلوب محبيك .
جزاك الله خير الجزاء و لن أقول وداعا .. بل الى اللقاء .

































مشاركات وانطباعات واراء الزوار