من المؤكد أن طفرة ” السوبر ماركت ” في السعودية بدأت في أول الثمانينات و مع آخر عام في السبعينات ، في المنطقة الشرقية كانت هناك أسواق “التميمي ” ، و في الغربية أسواق عدة من ضمنها ” المختار ” بطوابقه المتعددة ، و في الرياض أسواق ” بنده ” و ” أسواق الجوهر “.
كان التسوق اليومي للخضرة و الفواكهة قبل هذه الطفرة يتم بطريقة أكثر بساطة ، فكلٌ يختار ما يراه جيداً و يضعه في الميزان النحاسي ، ليبدأ شخص آخر بوضع المكاييل لحساب الوزن ، ثم يحدد القيمة و يستلم المال و يضعه في درج خشبي ، قد يُخرج منه احيانا المتبقي من الحساب ، فيصبح هو التاجر و المحاسب و كل العاملين في شخص واحد .
أما اللحوم و الطيور فكل منها له مكانه ، و عملية التسوق تتم وفق آلية بها تكثر المشاوير و تتعدد المحلات ، هذا المشهد تبدل مع ظهور تلك الطفرة التي أدخلت قيم جديدة و مفاهيم مختلفة للتسوق ، فبات من الممكن أن تجد بضائع لا يربطها رابط تحت سقف واحد ، و تظهر للعلن منتجات حديثة و ربما كانت تباع باستحياء كالسجائر التي بات يمد لها رفوف و توضع عند أقرب منطقة قُرب باب الدخول ، ايضا أتت مواد غذائية مستحدثة على المجتمع ، فتقبل بعضها سريعاً ، و بعضها أخذ حيزاً من الوقت حتى وجد له طريق للمستهلك .
هذه المحلات الكبرى احتاجت طرق أحدث في ادارتها ، و أجهزة جديدة ، و وجوه من بلدان مختلفة أتت لتدير وفق خبرتها هذا الجزء من العمل أو ذاك ، منهم من أتى من أمريكا و بريطانيا و الهند و الفلبين ، كما ظهرت الفواتير الألكترونية ، و الورق الأسطواني المبروم الذي نُطعمه لصندوق الحساب ، كي يُسجل ما تم بيعه و خروجه من هذا المتجر أو ذاك .
في تلك الفترة كانت الأشياء في العاصمة تمر بمخاض و مرحلة ولادة ، ففي الرياض فتحت “بنده” فرعين و في الطريق ثلاثة فروع اخرى ، و لم تكن الوحيدة فقد فتحت ” أسواق الجوهر” أبوابها على مصراعيها ، للبضائع الأكثر تنوعاً و اختلافاً ، كما كانت ” يورمارشيه ” الفرنسية تعمل على قدم و ساق لتشرع أبوابها هذا العام و تستقبل الزائرين على مساحة أرضية كبيرة تستوعب البضائع و تستوعبهم .
في المنطقة الشرقية كان التركيز على المستهلك القادم من دول متعددة مثل الأوربيين و الأمريكيين و شرق اسيا ، بينما كان التركيز في المنطقة الوسطى على المستهلك السعودي ، لذا وضع في الحسبان توفير” لحم الحاشي ” أي الجمل في قسم اللحوم ، و الخراف التي تُباع كاملة كما هي للزبون متى ما اراد ذلك و دونما تقطيع .
مع وجود تلك الطفرة و استحداث الأستثمار في هذا السوق ، بات من الضرورة الملحة أن يوجد حملات اعلانية مستهدفة و بشكل مستمر و منظم ، لذا قررت “بنده” ضخ ٣٠٠ ألف دولار امريكي في حملاتها التسويقيه و قد كانت السباقة في ذلك ، بينما أستمر “التميمي” و ” شركة فؤاد للأطعمة ” في المنطقة الشرقية على ما كانوا يفعلونه ، و ذلك لمعرفة الزائر الأجنبي بالبضائع التي يريدها و علامتها التجارية من بلاده و قبل قدومه للعمل هنا ، و كانت البضائع الرائجة هناك اللحم الأسترالي ، الحلوى السويسرية ، البسكويت الأنجليزي ، المحار الياباني و ما شابه .
بينما قل استيراد الحليب و البيض و السكر و الطحين و الدقيق عموماً ، و ذلك لأن الحكومة وضعت استراتيجيات و أنظمة جديدة تحد من أرتفاع أسعار هذه السلع اليومية ، و اضعة لها سقفاً لا تتجاوزه ، مما دعم بعض المنتجات المحلية أو القادمة من دول عربية مجاورة و ساعدها في أن تشق طريقها للمستهلك .
و نظراً لأن الكحول و لحم الخنزير محرم دينياً بيعه في السعودية ، صدر عام ١٩٧٣ ميلادية قانون ينص على وضع ملصقات تشرح المكونات ، سواء في زيوت الطهي و مشتقاتها كالزبدة و السمن ، أو الكريماو الأجبان و مشتقات الحليب ، العصائر، معجون الطماطم ، الشاي ، القهوة ، و خلاصة النكهات – المواد التي تُضاف لاضفاء الطعم مثل نكهة الموز الخ – جميعها يجب أن يكون عليه ما يشرح طبيعة الغذاء و مكوناته تفصيلياً مع وزنه ، اضافة الى اسم و عنوان جهة المُنتج و تاريخ الانتاج ، البلد المصدر ، كل هذا بالعربية .
في عام ١٩٧٩ ميلاديه طُلب أن يُضاف لما سبق ، المربيات ، علب التونا ، الملح ، أنواع الحساء و اللحوم المعلبة ، أضافة لفحص أي منتج جديد مخبريا و فق اختيار مباغت و عشوائي للتأكد من خلوه من الخنزير أو مشتقاته و الكحول .
كما تم في تلك الفترة حظر ” جوزة الطيب ” نظرا لأنها صنفت لدى البعض بأنها مسكر أو مُخدر ، و منعت بعض البضائع المسموح بها نظرا لأحتوائها على الكحول أو مشتقات الخنزير ، مثل بعض أنواع الماسترد المعدة مع ( الوايت واين ) ، الصلصات الحريفة ، بعض ماركات البيتز المجمدة أو المعجنات الجاهزة للتحضير و الخبز كعجين البسكويت و ما شابه .
تميزت هذه الطفرة بوجود العربات التي يضع بها المشتري اشيائه ، و توفر مواقف سيارات ، تُسهل عليه عملية تحميل مشترياته و تفريغها في شنطة السيارة ، مما جعل من عملية الذهاب الى مشوار روتيني يومي “فسحة” جديدة للعائلة و مكان ممتع لتزجية بعض الوقت سوياً .
بعض هذه الأماكن امتازت ايضا بوجود مولدات كهرباء في حال انقطاع الكهرباء المفاجئ – و الذي كان يحدث احيانا نتيجة لتمديد شبكة الكهرباء و تقويتها في كافة ارجاء المدن و العمل على ذلك في اسرع وقت – من أول تلك الاماكن التي أمتلكت هذه الخاصية أسواق ” التميمي ” في المنطقة الشرقية ، ثم باتت أماكن كثيرة تفعل ما فعلوا حفاظاً على البضائع من التلف أو الخراب .
هذه المحلات لم تكن عملية تشغيلها رابحة دائما و لا تخلو من مخاطرة ، بل بالعكس قد تخللها الكثير من الأزمات ، مثل تلف بعض المنتجات دون شرائها من قبل المتلقي الذي كان يتعرف للتو ببعضها ، ارتفاع سعر بعض الخضروات و الفواكه عما هو متعارف عليه ، ارتفاع رواتب بعض العمال – القادمين من امريكا و بريطانيا – و الذين كانوا يركنوا في استراتيجيتهم دائما على أمل واحد ، هو تغير عادات المستهلك و إنجذابه للراحة ، و بالتالي عدم ممانعته في دفع المزيد من النقود لأجل الحصول عليها ، كل هذه الأمور جعلت السوق القديم لم يزل محافظاً على مكانته في ذهن المستهلك و منافساً رائج – إلى يومنا هذا – و لأجل هذا تراجع ” التميمي” عن فتح فروع عديدة ذلك الوقت و اكتفي بالتخطيط لفتح فرع جديد بالعاصمة و العمل بتأني على ذلك ، و قد حدا حدوه في الحذر و الحرص الآخرين ، خاصة بعد اهدار ” بنده ” مبلغ ٦٠٠ الف دولار لأجل ربط جميع فروعها عبر الكمبيوتر بالفرع الأساسي و مخازنها ، كل هذه المبالغ التشغيله دفعت البعض للتفكير و الاكتفاء بفرع واحد و مراقبة ما يحدث ، لا سيما و أن بعض آخر قد خسر و بعض آخر جنح الى إغلاق مشروعه سريعاً .
” أسواق الجوهر “
مشكلته منذ البدء سعة المساحة و ضيقها !!
فمواقفه كانت تتسع الى ٣٠٠ سيارة ، بينما المتجر يتسع لأعداد تُضاعف ذلك ، منها مساحة ٢٠٠ قدم لبيع منتجات الحمية – و قد كان سباقاً في ذلك – مضيفاً إلى جوارها تشكيلة من الأجبان الفرنسية التي تتجاز بتنوعها ٢٥٠ صنف (!) ، هذا هو المدخل و هذا هو الرصيف الذي كُنت أركض فوقه في تلك الفترة مع رفقة طفولتي ، حيث كانت هناك مساحة تجمعنا و حملت أسم ” قلعة المرح ” وضع بها العاب الكترونية و العاب ترفيهية للاطفال .
من ضمن البضائع التي كنت تجدها به و لا تجدها لدى سواه خط دبابات و سيارات ” هوندا ” الذي يعرضه و يسوق له ، ثم يستبدله بشئ آخر ، فقد كان يُعد نقطة تسويق لأشياء مختلفة ، تظهر به سريعاً و تختفي سريعاً و بكميات قليلة و أسعار عالية ، كما خصص زاوية لأشهر أنواع السجائر في ذلك الحين.
اضاف اقسام للملابس و الأدوات المنزلية و الأحذية ، هنا تجد مجموعة من الشباب يجربون الجديد من “موديلات” كانت دارجة في تلك الفترة ، من ضمنها الأحذية ذات الكعب الخشبي العالي و المخصصة للرجال ، و قد شاهدت رجال عدة يرتدونها في تلك الفترة و في أماكن مختلفة .
كما ظهرت موضة الثياب السعودية الضيقة التي تُظهر بعض تفاصيل الجسد و قد كانت دارجة ايضا في ذلك الحين ، اطلقها بعض الخياطيين لمواكبة حركة الأزياء العالمية المنتشرة في آخر السبعينات و أول الثمانينات في القمصان و البنطلونات التي يرتديها الممثلون في الأفلام الاجنبية مثل جون ترافولتا و آخرين.
اضافة لاستمرار وجود الثياب السعودية المتسعة و العادية ، كان البعض يختار ما يرتديه ، و بعض آخر يلتزم بما هو متبع بالمنزل و نطاق العائلة ، بينما قلة من السعوديين كانت تفضل ارتداء الأزياء الغربية مثل البنطلون و سواه في الأماكن العامة بالعاصمة .
ما زلت أذكر بأني كلما ذهبت كنت أجد المكان مزدحماً بالأطفال ، إما وحدهم مع العاملات المنزليات أو مع ذويهم ، يتجولون بين الرفوف و في الممرات ، بعضهم كان من أقاربي أو رفقة مقاعد الدراسة ، هو مكان كان و لم يزل باقياً في مخيلتي ، تجمعني به -مثل آطفال آخرين – مُتعة بريئة مضت و ذكريات .
هنا طفلتان تقفان بثياب لم يختاروها لكنهم يرتدوها ، يتأملون بإمعان البضائع النائمة على الرفوف و المصفوفة بإتقان ، بعيون تشتهي الفول السوداني المحمص ، سواء المالح أو المحلى و المتواجد بأسماء عدة و الوان .
هنا فتاة تقف أمام سلة الحلويات المغلفة و بجوارها اخرى ترقب صواني الحلويات الشرقية .
” المختار “
لا أعرف عنه الكثير ، كل ما وصلت له أنه موجود في مدينة جده و كان علامة فارقة لوقت ما ، يتكون من ثلاثة أدوار ، الدور الأرضي كان هو السوبر ماركت ، الأدوار الاخرى لبضائع اخرى متنوعة ، كان يخطط في تلك الفترة لفتح دور اضافي رابع و لا أعلم إن تم ذلك أم لا .
كما كان يوجد متجر آخر كبير بعنوان ” كارفان ” به ٦٣ محل ، كل منها متخصص بشئ ما ، و جميعها تحيط سوبر ماركت على شكل حرف U الانجليزي و قد ذكر أحد الشركاء في المتجر السيد محمد عارف انه مؤمن بأن هذه المساحات التجارية الممتدة قد وجدت لتبقي و إن لم تنجح اليوم ستنجح غداً و لو مع اشخاص آخرين سواهم .
” بنده “
كانت في تلك الفترة سوبر ماركت منفصل عن أسواق العزيزية التي اندمجت معها عام ١٩٩٤ ميلادية و أصبحت العزيزية بنده ، بدأت كشركة تجزئة سعودية عام ١٩٧٨ ميلادي ، و هو العام ذاته التي أكتمل به بناء برج التلفزيون بالرياض ، و الذي تأسست به شركة سعودي أوجيه ، و بنك ساب ( السعودي البريطاني ) ، كان شعارها دب البندا ذو اللون الابيض و الأسود و كنت اشعر بانتماء ما لهذا الكائن و ذلك السوق في تلك الفترة !
شرعت ابوابها عام ١٩٧٩ للزوار القادمين ، و عرفت بأسم ” أسواق بنده المركزية ” ، كانت تضم بضائع عديدة ، عربية و أجنبية ، مستوردة و محلية ، تعرض في ثلاجتها اللحوم الطازجة المغلفة و المقطعة وفق نوعها كل على حده ، الأجبان المتنوعة ، الحلوى ، الحبوب ، البقول و اشياء اخرى كثيرة ، أكثر ما أذكره منها دفاتر الألوان !
” أسواق التميمي “
أفتتح أول فرع له في الخريف ، بنهاية السبعينات في المنطقة الشرقية ، و تحديدا شهر ديسمبر أمام كورنيش مدينة الخبر عام ١٩٧٩ ميلاديه ، كان يقصده بعض الأجانب ليقينهم بأن ما يريدونه سيجدونه هناك و كأنه فُتح بالأصل لهم !
كما كان يقصده أهل المدينة ايضا ، ليطلعوا على الحديث القادم من دول اخرى ، و في هذه الصورة نرى سيدتين من السعودية تتحدثان معاً عن أي من تشكيلة الأجبان الأوربية أفضل ، وذلك لوجود عروض تخفيض محفزة لشرائها في محاولة لتعريف المستهلك السعودي بها في ذلك الحين .
كان المكان قادر على أن يجمع ما بين الثقافات المختلفة كل وفق هويته و تركيبته ، لتجد من يلتزم بارتداء العباءة ، و من يأتي مستترا دونها للتبضع بحرية تامة و باحترام و دونما ازعاج .
كما تميز المكان بوجود طاولات و مقاعد للزوار و العاملين ، لتناول بعض الطعام اثناء التسوق أو الراحة ، إضافة الى تشكيلة مميزة من المجلات العربية و العالمية ، و الصحف اليومية بلغات مختلفة و عديدة .
في بداية الثمانينات تعاقدوا مع شركة المنتجات الغذائية الشهيرة “سيفوي” ، اتذكر تماما الفرع الذي فتح قربنا على طريق الملك فهد بالرياض ، فقد كان اسمه سيفوي بالبدء ، هذا العقد مكنها من اضافة المزيد من البضائع المتنوعة إلى بضائعها الموجودة و عبر شبكة أسواق عالمية .
للفرع النائم على الطريق السريع ذكريات عديدة معي ، بدء من مرحلة الابتدائية حتى الثانوية مروراً بالمتوسط ، في الخلف ساحة نصبت بها شبكة كرة طائرة مكان المواقف الخلفية ، و على امتداد الرصيف محل فيديو “سواري” و متجر ” جزيرة الأحلام “، اضافة إلى بازارات كانت تقام في الساحة ذاتها على الدوام و تستمر لعدة ايام ، ذاك الحماس كل يوم ثلاثاء لشراء المجلات الفنية الاسبوعية و مجلة ماجد و مطبوعات اخرى عاديه ، اطالعها قبل اجازة نهاية الاسبوع و اتحدث عن الجديد الذي قرأته للأهل و الأصدقاء ، الضحك بلا أسباب منطقية ، و التعليق على الاشياء ، إن ما كتب هنا جزء من تاريخي و تاريخ أهل بلادي ، شئ يتجاوز عاطفياً السطور و فكرة الموضوع ، شئ يحكي عن لحظات حلوة تعبر بوابة الزمن و ليس لها رجوع .
تنويه :
+ الموضوع هنا كتبته بأسلوب شخصي ، و بتصرف و عبر مصادر متعددة ، في محاولة لخلق صورة توثيقية متوازنة بين ما هو شخصي و عام .
+ الصور التي نشرت من مجلة ” أرامكو ” عام ١٩٨١ ميلادية ، و بالتحديد عدد شهر يناير و تحت تحقيق مصور بعنوان ” من السوق الى السوبر ماركت ” ، و قد تم وضع الصور به بشكل متفرق ، هنا أعدت نشرها مع وضع كل مجموعة مرتبطة بفكرة أو عنوان معاً .
اضافات :
+ الجوهر تم افتتاحه يوم الاثنين ٢٥ اغسطس عام ١٩٨٠ ميلاديه ، كان محلا كبيرا ، لا يبتعد عن منزلنا كثيرا ، يقع على امتداد شارع الثلاثين ، مكان مبنى ” الفيصلية ” حاليا .
+ للمزيد عن قلعة المرح اضغط هنا ، و عن يوم اصطحبني به جدي لأسواق بنده اضغط هنا .












































مشاركات وانطباعات واراء الزوار